JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Accueil

كأس العالم.. مرآة تشوه صورة المسلم المعاصر!

 

 

 
الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني
دولة الجزائر
قراءة سيميائية وساخرة في ازدواجية الاهتمام بين الواقع والترفيه
​إن السؤال الأشدّ مرارة وصدمة، والذي يتحاشى الجميع طرحه خلف صخب الصفارات هو؛ هل كأس العالم مجرد لعبة يتسلى بها الإنسان المسلم، أم أن المسلم نفسه هو "اللعبة" داخل هذا المحفل الدولي؟
​الحقيقة التي تقطر سمّا زعافا هي أن المتعة الحقيقية في تلك المحافل لا تكمن في ركل قطعة من الجلد المنفوخ، بل في رؤية ملايين البشر وهم يساقون بوعي معلّب كـ"القطعان"، بينما يجلس صنّاع القرار، والمهندسون الجيوسياسيون، وأساطين المال الذين يتحكّمون في مصائر الأمم خلف الستائر المخملية، يضحكون ملء أشداقهم ويتغامزون ساخرين من أمة تباع مقدراتها وثرواتها وتاريخها!
​لقد ابتكر النظام الرأسمالي العالمي هذه الكرنفالات بذكاء خبيث؛ و الخطة المثالية كانت لإشغال " الأعرابي" باللعب وصرف انتباهه بينما يستأثر بكل شيء آخر؛
​سلبوا منهم الدين فحوّلوه من منهج حياة وعزيمة وكفاح، إلى شعارات موسمية فارغة، وسلبوا منهم الشرف والكرامة، ونهبوا الثروات والأراضي،
و​لم يكتفوا بذلك، وإنما استولوا على العقول؛ فمسخوا رجالا كان يفترض أن تبنى على عواتقهم الأمم وتحمى بهم الثغور، وحوّلوهم إلى "أطفال كبار" أغبياء، يتدافعون في المدرجات بصراخ هستيري، ويسيل لعابهم الفكري خلف أقدام لاعبين يتقاضون الملايين بينما المشجع لا يملك ثمن تذكرته! تنشغل الشعوب في تحليل "مجموعات الموت" الكروية، وتمرر الاتفاقيات المهينة، وتقسّم الأوطان، وتنهب آبار النفط والغاز، وتصفى القضية الفلسطينية في الغرف المظلمة.
​إنها المسرحية الهزلية الكبرى؛ يظن المشجع المغيب أنه يشارك في حدث عالمي ويصنع نصرا لدولته، بينما "اللاعبون الحقيقيون" هم أولئك الجالسون في الظل، يحركون خيوط اللعبة كعرائس الماريونيت، يبيعون لهم الأوهام، ويربحون هم النفوذ، والسياسة، والعلم، والمستقبل، دون أن يبذلوا جهدا في الركض خلف كرة.
هل ضلّ الأعراب الطريق وهم يتّجهون صوب فلسطين الحقيقية، التي تبعد أميالا وثغورا، أم أنهم قرّروا فجأة أن الوجهة الصحيحة هي قارة أمريكا البعيدة وملاعب الخليج الفارهة التي تبثّ على قنوات "بي إن سبورت"؟ وأن الخرائط التاريخية للطريق نحو ماضيهم، سحبت من تحت الوسائد منذ دهور، واستبدلت بشاشات عملاقة تظهر وجوه الحشود يصرخون بحناجر ممزّقة، تفتح ثغرة في جدار الصمت العتيق، أو أنهم ذهبوا يحرّرون "بيت المقدس" شبرا بشبر؟!
الحقيقة المخزية، والأعجب من ذلك كلّه أنك تسمعهم في المونديال يهتفون؛ «لا إله إلا الله، محمد رسول الله»، فتتسائل بينك وبين نفسك؛ هل جاءها القوم فاتحين؟ أم أن الجنون قد استولى على العقول.
إن الجماهير التي تهزّ ساحات المونديال بالتصفير تعتقد واهمة أنها تحاكي "جيش خالد بن الوليد الأباطرة"؛ لكنها سقطت في زاوية البهتان وعصر النسيان؛ فخالد كان يفتح المدائن ويقوّض عروش الأكاسرة، بينما هم يفتحون... بوابات الملعب ببطاقات الدفع المسبق ويحرّرون... كراسي المدرّجات من الغبار!!
وهنا يكمن العجب العجاب؛ هل أصيبت العقول جماعة وفرادى بعمى حضاري حاد لا شفاء منه؟ أم أنهم قرّروا طواعية استبدال ميادين المعارك والوغى بمروج العشب الصناعي، واستبدال سيوف الهند البتّارة بكرة تقذفها الأحذية، صنعت من جلد فارغة ملأها الهواء؟
وكأنّ الأمة الأعربية في سباق مع الزمن لتثبت للتاريخ أنها "أكثر شعوب الأرض غباء وسذاجة"، بينما تتهاوى أسوار الأقصى العامرة بالإيمان من خلفهم دون أن يشعروا أو يحسّوا منها برجفة واحدة!
قد يرى البعض في هذا التشريح صدمة تزلزل السائد وتخدش الحياء الزائف، لكنه في الحقيقة نتاج عصر المسوخ وغريب؛ غدت فيه الملاعب قواعد عسكرية وفكرية بديلة لتلك الأمة. في تلك الإسطبلات الشبه الخضراء، ترفع الأعلام على أنها رايات النصر المؤزّر، وتهدر الحناجر وكأنها تزلزل عروش الطغاة والظالمين، بينما تطوى صفحات التاريخ الحقيقي باستهتار مقيت؛ لدرجة أن القضية الفلسطينية ودماء المستضعفين أمست مجرد "أغنية منسية" أو وشاحا يرتديه المشجّع ليلتقط به صورة "للتمويه"، ثم يعود لمتابعة التسلية بروح متوثبة!
إنه الـ "النفاق" الذي صار عقيدة؛ فأنتم أمام سياسة الترفيه التي تستأصل الرجولة والكرامة وتميت العزيمة، وتحوّل الرجال إلى مخنّثين يصرخن على ركلة حرّة كأنها قضية حياة أو موت أو مسألة ديبلوماسية مصيرية.
أليس من المخيف أن تجد شابا يكره أن ينمو له شعر، يبكي بدموع غزيرة لأن فريقه خسر، بينما لا تتحوّل دموع عينيه إلى جمر، لمشهد انفجار فلسطيني تحت القصف؟!
يتساءل العاقل بحيرة وأسف؛ كيف لهذا الهتاف الهستيري في المدرّجات أن يكون أعلى صوتا، وأكثر حشدا، وأغزر تمويلا من التدافع والجهاد في سبيل الحق، وتحرير الأقصى وكل المقدّسات؟ بل كيف يعجز هؤلاء عن تحرير ذواتهم من عبودية الحاكم والشهوات، والاستلاب الفكري، والشذوذ الجنسي، والفقر، والانحلال الأخلاقي، والمسكرات، بينما يملكون طاقة جبّارة للنواح من أجل ضربة جزاء ضائعة؟!
إنهم كمن يحاول إطفاء حريق يلتهم بيته بـ "بخاخ مياه معطّر"، ثم يقف وسط الرماد يصفّق لحماقته بحماس غامر، ويردّد في نفسه من أين يأتيه الذكاء ليصنع هذا الإنجاز العظيم! يا له من جيل يتقن الرخس هروبا إلى الأمام، لكنه يهرب إلى الخلف بسرعة الضراط!
ألستم هنا أمام تساؤل بنيوي حاد؛ هل هذا الجيل شرعي الانتماء لقضاياه وتاريخه وأولاد حلال، أم أنهم أولاد حرام فكريا وأصيبوا بـمرض نفسي يسمى "اللقيط ثقافيا" تنكّروا فيه لأصلهم وتبنّوا أبوّة الكرة دينا وعقيدة الملاعب بلادا؟
إنهم يزمجرون في المدرّجات كالضباع الضارية، لكنهم في سوق النخوة خراف وادعة وقطعان من الحمير تساق بريموت كونترول إلى مسلخ الترفيه المنظّم. وفي ذات اللحظة التي ترتفع فيها صيحات التشجيع، تباع الأوطان في سوق النخاسة السياسية والاقتصادية، وتعرض أعراض نساءهم الوضيعات على منصّات "التيك توك"و"إنستغرام" كسلع رخيصة مستباحة لجلب الفسّاق.
لقد تماهت الموازين؛ فهل شحّت الرجولة في الوطن العربي، والجزيرة العربية، والبيوت تماما، حتى بات الشاب الوسيم يبحث عن "المكياج" وميوعة الإطلالة، وعن رجل يؤنسه،
يلهث خلف من يغازل أنوثته المصطنعة، بدلا من أن يخرج ويحمل بندقية أو سيف أو يبحث عن مكامن القوة والشجاعة والفروسية؟
لقد كشفت "كرة قدم الأطفال" الخاوية، خواء عورات النفوس والضمائر عند المسلمين، وأثبتت أن قطاعا واسعا ممن يفترض أنهم "رجال الأمة والإسلام" قد ارتضوا القعود والتخنّث، ليصبحوا عالّة على عواطف النساء؛ وأمسوا كائنات رخوة تصفق بأيد ناعمة، بينما حرائر فلسطين الصنديدات في جبهات الصبر كنّ أكثر رجولة وشهامة، وأصلب عودا، وأعظم مروءة من ملايين الشوارب المزيّفة والمستعارة في المقاهي والمدرّجات.
لا عقول واعية تقود الرأي العام.
ولا مروءة حامية تحمي الثغور والأعراض.
ولا أخلاق بانية تؤسّس لحضارة حقيقية.
وبدلا من ذلك، لديهم ذكور واسعة الأرداف مخدّرة؛ "متلاعب بإعداداتهم".
وهنا تقف على المقارنة الفاضحة التي يرفضها المدافعون عن "كرة القدم"؛ هل كان الصحابة الأوائل يزجّون بأوقاتهم ويهدرون أعمارهم في تتبّع كرة الأطفال من تلك؟ أم كانت تسليتهم وترويضهم لأنفسهم في صهيل الخيل، ومقارعة السيوف، ودكّ حصون الطغيان والاستكبار وقطع رؤوس الكفّار؟؟ كانوا يفتحون القارات، بينما أحفادهم اليوم يفتحون... قنوات "بي إن سبورت"!
لماذا يهرول أتباع دين الاسلام اليوم خلف كرة تتقاذفها الأرجل، وينشغلون بالعبث بما تحت السراويل وسفاسف الأمور وقشورها تاركين معاليها وجواهرها؟
إنك تراهم يركضون خلف سراب الكرة كالمجانين، وكأنهم في سباق مع الزمن ليثبتوا لصنّاع اللعبة أنهم "أفضل البلهاء وأوفى العبيد"، بينما صنٌاع القرار الأسياد يضحكون عليهم ملء أشداقهم من خلف الشاشات، ويهندسون مآسيهم وهم غارقون في غيبوبة " الفوز بالكأس الفارغ ".
هل طارت العقول حقا، أم أن المنظومة التربوية للعائلة العربية المسلمة أعلنت إفلاسها؟ الحقيقة أن الآباء والأمهات استقالوا من أدوارهم الرسالية، فلم يربّوا جيلا يحمل همّا، وإنما غذّوا فيهم الرذيلة والسطحية، والتميّع، والاهتمام بالتافهين والتافهات، ، فخرج جيل يقدّس "اللاعب" ويهزأ بـ"العالِم". جيل يعرف أسماء لاعبيه أكثر من أسماء أعدائه، ويتابع انتقالات الأندية بشغف أكبر من متابعته لانتقالات القضايا الإسلامية!
الحقيقة المفجعة أن الأعداء والصهاينة لم يكونوا يوما مغفّلين؛ درسوا سيكولوجية هذه الجماهير بعناية فائقة، واستفادوا من جهلهم المطلق. والنتيجة؟ لقد جرّدوهم من هيبتهم وحتى من سراويلهم، وسلبوهم وعيهم، وجرّوهم كقطعان الحمير المغيّبة نحو مسارح الملاعب ليشبعوا من الرفس والاحتكاك، والعويل، والنهيق، الذي لا يغير من الواقع الفاشل لا حجرا ولا مدرا.
وفي المقابل، حاز الأعداء على كل الشرق المتوسط من الأرض، واستأثروا بالعلم، واحتكروا التكنولوجيا، وصنعوا المستقبل لأولادهم، وتركوا للأعراب متعة الشهوات وحتى " استحالة الفوز أو الاستحواذ على تلك الكرة الخاوية"!
حقا.. لقد كشفت حمى العشب الأخضر أن الرجولة الحقيقية والمروءة الأصيلة قد أدرجتا في قائمة الانقراض، ولم يتبقَ في المشهد السريالي سوى دمى مثقوبة متحرّكة وقردة تقفز بلا وعي ولا هدف، تعتقد بجهلها المركّب أن تحرّير فلسطين مضيعة للوقت، وتثأر من التاريخ بكل صيحة هابطة تنطلق من حناجرها:" كأس العالم"! هو طريق الخلود.
وعليه حقا، أن "الكرة" قد حلّت محلّ "فلسطين"، وأن "الملعب" صار "المسجد"، وأن "المعلّق" أصبح "خطيبا وإماما". أما "الجمهور" فغدى هتافه" تسابيح"
فعلا "أمة بلا رجال"، تنتظر كرة لتدور، بينما الزمن يدور ولا يدري أحد أين يسقط الجميع... ربما في مكبّ "القمامة" ذاته

NomE-mailMessage