JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Home

كيف تشكلت العلاقة بين المسلمين والأقباط بعد الفتح الإسلامي؟

 


هناك أحداث يكتبها المنتصرون في سجلات الحروب، وهناك أحداث يكتبها الناس في تفاصيل حياتهم اليومية.
فالانتصار العسكري قد يغيّر حدود الدول، لكن طريقة التعامل مع الشعوب هي التي تصنع التاريخ الطويل.
ومن بين تلك اللحظات الفاصلة، يبرز فتح مصر بوصفه بداية تجربة إنسانية وحضارية امتدت آثارها قرونًا، حيث لم يكن التحدي الأكبر هو دخول البلاد، بل بناء علاقة جديدة بين أهلها والدولة التي جاءت إليها.
حين التقى الهلال بالصليب في مصر

سلسلة التاريخ من وراء الستار
بقلم/محمد مصطفى كامل
ليست كل الفتوح تُقاس بعدد المدن التي تُفتح، ولا بعدد الجيوش التي تنتصر.
فبعض الأحداث تبدأ أهميتها الحقيقية بعد انتهاء المعارك، حين يهدأ صليل السيوف ويبدأ امتحان أصعب بكثير من الحرب نفسها امتحان التعايش وبناء المستقبل.
وحين دخل المسلمون مصر في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لم يكن السؤال الأهم من انتصر ومن انهزم، بل كان السؤال الذي سيصنع تاريخ البلاد لقرون طويلة
كيف ستتشكل العلاقة بين شعب مصر وبين الدولة الإسلامية الجديدة؟
وكيف سيتعايش القادمون الجدد مع مجتمع يمتلك حضارة ضاربة في عمق التاريخ وهوية دينية وثقافية مستقرة منذ قرون؟
ومن هنا تبدأ واحدة من أهم الصفحات في تاريخ مصر.
مصر التي دخلها المسلمون
كثيرون يتخيلون أن المسلمين حين دخلوا مصر وجدوا أمامهم بقايا الديانة الفرعونية القديمة، لكن الحقيقة التاريخية كانت مختلفة تمامًا.
فمصر التي استقبلت جيوش المسلمين في القرن السابع الميلادي لم تعد مصر الوثنية التي عرفت معابد آمون ورع وأوزوريس.
لقد كانت تلك المرحلة قد أصبحت جزءًا من الماضي منذ قرون طويلة.
فمع انتشار المسيحية في مصر منذ القرن الأول الميلادي، ثم تحول أغلب المصريين إليها خلال القرون التالية، أصبحت مصر بلدًا مسيحيًا في غالبيتها الساحقة.
وكان الأقباط يشكلون معظم سكان البلاد، بينما كانت الديانة المصرية القديمة قد اختفت تقريبًا من الحياة العامة.
لذلك فإن العلاقة التي نشأت بعد الفتح لم تكن بين المسلمين وأتباع الديانة الفرعونية، بل بين المسلمين والأقباط المسيحيين الذين كانوا يمثلون المجتمع المصري في ذلك العصر.
وهذه حقيقة مهمة لفهم طبيعة الأحداث التي تلت الفتح.
مصر بين القسطنطينية والإسكندرية
رغم أن المصريين والبيزنطيين كانوا يدينون بالمسيحية، فإن العلاقة بين الطرفين لم تكن مستقرة.
فقد كانت الخلافات المذهبية والسياسية قائمة منذ زمن طويل، وشعر كثير من الأقباط بأن السلطة البيزنطية لا تمثلهم تمثيلًا حقيقيًا.
وترافقت تلك الخلافات مع أعباء إدارية وضرائبية أثقلت كاهل السكان.
ولهذا كانت مصر تعيش حالة من الإرهاق السياسي والاجتماعي قبل وصول المسلمين.
فتح غيّر الحاكم ولم يغيّر الناس
حين دخل المسلمون مصر لم يسعوا إلى اقتلاع المجتمع القائم أو تغيير هويته بالقوة.
فلم تُفرض المسيحية لتزول، ولم تُهدم الكنائس، ولم يُجبر الناس على اعتناق الإسلام.
بل بقي الأقباط على دينهم، واستمرت الكنيسة القبطية في أداء دورها الديني والاجتماعي.
وكان ذلك أحد الأسباب التي جعلت المجتمع المصري يدخل تدريجيًا في مرحلة جديدة دون أن يتعرض لصدمة حضارية أو دينية شاملة.
عودة البطريرك
ومن أبرز الرموز الدالة على طبيعة المرحلة الجديدة عودة البطريرك بنيامين، الذي كان قد غادر موطنه واختفى سنوات طويلة بسبب الاضطهاد البيزنطي.
فبعد الفتح عاد إلى موقعه الديني واستأنف قيادة الكنيسة القبطية.
وكانت تلك العودة رسالة واضحة بأن السلطة الجديدة لا تستهدف القضاء على المؤسسات الدينية القائمة أو إلغاء وجودها.
من الجوار إلى الشراكة
ومع مرور السنوات بدأت ملامح مجتمع جديد تتشكل.
فالأقباط بقوا يمثلون أغلبية السكان لفترة طويلة بعد الفتح، بينما أخذ الوجود الإسلامي يترسخ تدريجيًا.
وفي الأسواق والحقول والموانئ والدواوين عاش المسلمون والمسيحيون جنبًا إلى جنب.
واستفادت الدولة من خبرات المصريين في الإدارة والزراعة والاقتصاد، بينما استفاد المجتمع من الاستقرار السياسي الذي وفرته الدولة الجديدة.
وهكذا نشأت علاقة لم تكن قائمة على الصراع الدائم، ولا على الذوبان الكامل، بل على التعايش والتفاعل المستمر.
الإسلام ينتشر ولكن ببطء.
ومن أكثر الحقائق التاريخية أهمية أن مصر لم تتحول إلى بلد مسلم فور الفتح.
فالأقباط ظلوا يشكلون أغلبية السكان لقرون بعد دخول المسلمين.
ثم بدأ التحول التدريجي إلى الإسلام عبر أجيال متعاقبة، نتيجة عوامل دينية واجتماعية وثقافية متعددة.
ولو كان الأمر قائمًا على الإكراه لحدث خلال سنوات قليلة.
لكن التاريخ يخبرنا أن التحول استغرق قرونًا طويلة، وهو ما يعكس طبيعة التغيرات العميقة داخل المجتمعات.
هوية مصر الجديدة
ومع مرور الزمن لم تعد مصر مجرد ولاية فتحتها الجيوش الإسلامية.
بل أصبحت قلبًا نابضًا للعالم الإسلامي.
ومن أرضها خرج العلماء والقادة والمفكرون، وتحولت لاحقًا إلى إحدى أعظم مراكز الحضارة في العالم.
لكن المثير للتأمل أن هذه النهضة لم تُبنَ فوق أنقاض المجتمع المصري القديم، بل نشأت من تفاعل طويل بين مكونات مصر المختلفة.
فالمسلمون والأقباط لم يكونوا شعبين منفصلين يعيشان على أرض واحدة، بل أبناء وطن واحد تشاركوا تاريخه ومصيره عبر القرون.
حين ننظر إلى مصر بعد الفتح الإسلامي بعيدًا عن الجدل المعاصر، نكتشف أن أهم ما حدث لم يكن مجرد انتقال السلطة من البيزنطيين إلى المسلمين.
بل ولادة تجربة تاريخية طويلة من التعايش والتفاعل بين مكونات المجتمع المصري.
فالمسلمون الذين استقروا في مصر، والأقباط الذين كانوا أهلها منذ قرون، أصبحوا مع الزمن جزءًا من نسيج واحد.
ولهذا فإن تاريخ مصر بعد الفتح ليس قصة غلبة دين على دين، ولا شعب على شعب.
بل قصة وطن أعاد تشكيل نفسه عبر القرون، حتى أصبحت مياهه ونيله ومدنه شاهدة على رحلة مشتركة صنعها أبناء مصر جميعًا، مهما اختلفت عقائدهم، تحت سماء واحدة وتاريخ واحد.

NameEmailMessage