JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

يا ليتني



 يا ليتني

لكلٍّ منّا وسادة يعرف سرّها وحده، يُسنِد إليها رأسه حين يثقل الليل، ويهمس إليها ما لا تتّسع له الكلمات نهاراً. تلك الوسادة الصامتة هي الشاهد الأمين على كلّ ما نُخفيه، تحتضن ابتساماتنا حين تنتهي القصة على خير، وتمتصّ دموعنا حين تنتهي على ما لا نشتهي.

في هذا الليل الطويل، حين تخلو الدنيا من ضجيجها وتتكشّف الأشياء على حقيقتها، يجلس المرء مع نفسه جلسةً لا مفرّ منها. يرتشف من قدحه شيئاً من الهدوء المصنوع، وتُضيء شاشة هاتفه وجهه في العتمة كأنّها المرآة الأخيرة، فيبدأ في سرد قصّته لنفسه، فكرةً تقود فكرة، وذكرى تفتح باب ذكرى، في حلقة لا تعرف نهاية، حتى تنتهي كلّها عند كلمتين ثقيلتين كالحجر:

يا ليتني.

النسيان في مثل هذه الليالي ليس دواءً شافياً كما يُشاع، بل هو جرعة مؤقتة يزول مفعولها مع أوّل صمت حقيقي، ومع أوّل تفصيلة صغيرة تعود فجأةً دون استئذان، فتُثبت أنّ ما ظننّا أنّنا نسيناه كان مجرّد نائم في أعماقنا، لا ميّتاً.

يا ليتني أستطيع أن أعود بالزمن إلى الوراء، لا لأغيّر الكبائر، بل لأُعيد تشكيل فصول القصة بيديّ، وأكتب مقدّمتها من جديد بوعي من عاش النهاية. كنت سأقرأ المشاهد الأولى بعين مختلفة، وكنت سأعرف متى أتوقّف قبل أن يتحوّل الاقتراب إلى تعلّق، والتعلّق إلى جرح.

يا ليتني لم أتعلّق بما لم يكن لي منذ البداية.

ثمّة أشخاص كان يجب أن يظلّوا غرباء، وأماكن كان ينبغي أن تبقى غامضة بعيدة، لأنّ بعض الأشياء لا تحتمل المعرفة، وبعض الأبواب حين تُفتح لا تُغلق من جديد. لو أبقيتُ بعضهم على عتبة المجهول، لما حملتُ اليوم ثقل ما أعرف، ولما احترق قلبي على صورة كان يمكن ألّا تتشكّل أصلاً.

لكنّ الإنسان لا يقرأ التحذيرات إلّا بعد أن يقع، ولا يفهم معنى الحدود إلّا بعد أن يتجاوزها، ولا يعرف قيمة المسافة إلّا حين يُحرق بالقرب.

فيبقى مع قدحه، وإضاءة هاتفه، وليله الطويل، يردّد في سرّه ما لا يجرؤ على قوله للنهار:

يا ليتني.

author-img

JOURNALEST

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة