JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

صرخة ضمير.. من قاع السرقة إلى راحة البال

 



بقلم على محمد العفيفي

طنطا محافظة الغربية 


​يقولون إن أغرب الحكايات هي تلك التي يكتبها الواقع، وليست التي نسجها الخيال. وقصتي هي واحدة من تلك الغرائب التي دارت فصولها في قريتي، "ميت حبيش القبلية" بمحافظة الغربية. قصة شاب عاش شطراً من حياته في ظلام السرقة، قبل أن ينفجر في قلبه نور التوبة بطريقة قد يراها البعض قاسية، لكنها كانت طريقتي الوحيدة للنجاة.

​البداية.. طفولة غلبتها الغيرة

​بدأت الحكاية وأنا طفل صغير في الصف الأول الابتدائي بالمعهد الأزهري، لم أكن أتجاوز السابعة من عمري. كنت أذهب إلى مدرستي حاملاً شطائر بسيطة من "الفول والطعمية"، تعكس حالتي المادية المتواضعة، بينما أرى زملائي يمسكون بشطائر الجبن الرومي، اللانشون، والبسطرمة.. مأكولات شهية كانت تبدو في عيني طفل صغير ككنوز لا تُطال.

​من هنا، ومن تلك المقارنة الطفولية والغيرة البريئة في ظاهرها، المدمرة في باطنها، ولدت شرارة السرقة الأولى. مددت يدي لأول مرة لأسرق طعام زملائي، وبدلاً من أن أجد من يوجهني أو يردعني، تحولت السرقة عندي من سلوك عابر إلى عادة، ثم إلى إدمان رافقني طوال مراحل حياتي. كبرت وكبرت معي هذه الآفة، وتحولت من سرقة "سندوتش" إلى سرقات أكبر، واستمر هذا الكابوس حتى بلغت الخامسة والعشرين من عمري.

​زلزال "صحوة الضمير"

​عند سن الخامسة والعشرين، حدث ما لم يكن في الحسبان. استيقظ ذلك النائم في صدري: الضمير.

​لم تكن صحوة عادية، بل كانت زلزالاً هز أركان نفسي. تذكرت دراستي الأزهرية الأولى، وتأملت في حالي: كيف سأقابل الله بهذه اليد التي لم تترك حراماً إلا وامتدت إليه؟ تملكني خوف شديد، وصراع نفسي مرير لم أعد أطيق معه النوم أو العيش. كان صوتاً داخلياً يصرخ فيّ كل ليلة، حتى اتخذت القرار الأصعب والأغرب في تاريخ القرية.

​توجهت إلى شريط القطار الذي يمر ببلدتي، وهناك.. وضعت حدّاً لذنوبي بطريقتي الخاصة. ألقيت بكلتا يديّ تحت عجلات القطار المسرع، لتقطعهما في لحظات، معلناً نهاية "عصر السرقة" وبداية عهد جديد.

​العيش بلا يدين.. ولكن براحة بال

​اليوم، أنا ما زلت حياً أرزق بفضل الله عز وجل. أعيش بلا يدين، لكنني أعيش بقلب نقي.

​لقد غمرني أهل قريتي الكرام، جيراني وناسي، بعطفهم وكرمهم الذي لا ينقطع، فلم يتركوني بحاجتي لعون أو مساعدة، ووقفوا بجانبي وقفة رجال تشهد لهم الدنيا. واليوم، وأنا أنظر إلى مكاني الطاهر من السرقة، أقولها بكل صدق ويقين: "الحمد لله.. الحمد لله، أنا اليوم مرتاح البال والضمير". قد أكون خسرت أطرافي، لكنني استعدت نفسي وخالقي.


author-img

JOURNALEST

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة