JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

من هنا نبدأ ... الرضا بالله طريق الطمأنينة




د.م. مدحت يوسف

نعيش جميعاً في رحلة واحدة اسمها الحياة. تختلف تفاصيلها من إنسان إلى آخر وتختلف طرق التعامل معها وفقاً للثقافة والخبرة والوعي والقدرة على التحمل. لكن الحقيقة التي لا خلاف عليها أن الحياة ليست سهلة على أحد. فكل إنسان يحمل بين جنبيه قصة لا يعلم تفاصيلها إلا الله.


لقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى بهذه الحقيقة منذ البداية فقال:


﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾


سورة البلد


أي أن المشقة والتحديات جزء من طبيعة الحياة وليست استثناءً فيها. لذلك لا ينبغي أن ننظر إلى الآخرين من ظاهر أحوالهم ونظن أن أحداً قد نال السعادة الكاملة أو أن أحداً يعيش بلا هموم أو ابتلاءات.


فالغني له ابتلاؤه والفقير له ابتلاؤه. وصاحب المنصب له مسؤولياته وأعباؤه والعامل البسيط له تحدياته. والملك والرئيس والوزير كما المواطن العادي جميعهم بشر يتعرضون للأفراح والأحزان والصحة والمرض والنجاح والإخفاق.


هل رأينا إنساناً لم يمرض يوماً أو لم يمرض له قريب أو حبيب؟ وهل عرفنا أحداً لم يفقد شخصاً عزيزاً عليه بالموت؟ وهل وجدنا إنساناً عاش حياته كلها كما يريد دون أن تعترضه عقبة أو أزمة أو خسارة؟


الحقيقة أن الجميع مبتلى ولكن صور الابتلاء تختلف. ولهذا لا توجد سعادة مطلقة في الدنيا ولا تعاسة مطلقة. إنما هي أيام تتقلب بين الفرح والحزن وبين العطاء والمنع وبين القوة والضعف.


ومن هنا تأتي أعظم حقيقة تمنح الإنسان الطمأنينة وهي أن لهذا الكون رباً عظيماً يدبر أمره بحكمة وعدل ورحمة. فما من شيء يحدث عبثاً وما من أمر يجري خارج علم الله وتقديره.


إن الله سبحانه لم يخلقنا ليعذبنا أو ليشقى بنا. بل خلقنا برحمته وأحاطنا بعلمه ولطفه. يعلم ما مضى من حياتنا ويعلم ما نعيشه الآن ويعلم ما سيأتي غداً. يعلم ما نحب وما نخاف وما نتمنى وما نخفيه في صدورنا.


ولذلك كان الرضا بقضاء الله من أعظم أسباب السكينة النفسية. لأن المؤمن يعلم أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه وأن ما كتبه الله له لن يخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.


وكم من إنسان حزن على أمر ظن أنه خسارة ثم اكتشف بعد سنوات أنه كان باباً من أبواب الخير. وكم من أمنية تأخر تحققها ثم تبين أن التأخير كان رحمة. وكم من أمر تمناه الإنسان بشدة ثم حمد الله لاحقاً أنه لم يتحقق.


إن الإنسان محدود العلم بينما الله سبحانه هو العليم الحكيم الذي يعلم خفايا الأمور وعواقبها.


وقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بأروع صورة حين رأى امرأة تضم طفلها إلى صدرها وتحوطه بكل مشاعر الحب والخوف عليه فقال لأصحابه ما معناه هل تظنون أن هذه الأم يمكن أن تلقي ولدها في النار؟ فقالوا لا يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم:


"لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا"


فإذا كانت رحمة الأم بولدها عظيمة فإن رحمة الله بعباده أعظم وأوسع وأشمل.


هذه الحقيقة وحدها كفيلة بأن تمنح القلب طمأنينة مهما اشتدت الظروف. فالمؤمن لا يسير في هذه الحياة وحيداً بل يعيش تحت رعاية رب كريم يعلم حاله ويسمع دعاءه ويرى ضعفه ويقدر احتياجاته.


ومع ذلك فإن الحياة ستبقى مليئة بالتحديات. ستأتي أيام نفرح فيها وأيام نحزن فيها. ستعلو أمواج الحياة أحياناً وتهدأ أحياناً أخرى. وهذه سنة الله في خلقه.


لذلك نحن بحاجة إلى تدريب أنفسنا على الصبر والرضا وحسن الظن بالله. وبحاجة أيضاً إلى أن نلتمس الأعذار للناس وأن نقدر ظروفهم. فكل إنسان يخوض معركة قد لا يعلم عنها الآخرون شيئاً.


لا تتعجل الحكم على أحد. ولا تظن أن كل من يبتسم سعيد أو أن كل من صمت مرتاح. فلكل إنسان ظروفه الخاصة وآلامه الخفية وأحلامه التي يسعى لتحقيقها.


كما ينبغي ألا نحمل في قلوبنا الضيق إذا لم يقدم لنا أحد ما كنا ننتظره منه. فقد يكون ما ظننّاه خيراً لنا ليس خيراً في ميزان الله. وربما صرف الله عنا أمراً ظنناه نفعاً وهو يحمل لنا الضرر.


وفي النهاية تبقى الحقيقة الكبرى أن الدنيا ليست دار استقرار وإنما محطة عبور قصيرة نحو الحياة الأبدية. وهناك فقط تتحقق السعادة الكاملة التي لا يعكر صفوها خوف ولا حزن ولا مرض ولا فراق.


إنها السعادة التي يرجوها المؤمنون في جنات النعيم حيث لقاء الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحيث يجتمع الإنسان بمن أحبهم من أهله وأحبابه في دار لا تزول.


ولهذا فإن أعظم ما يحتاجه الإنسان في رحلته هو الثقة بالله والرضا عنه وحسن الظن به. فمهما تقلبت الأحوال يبقى اليقين بأن الله أرحم بنا من أنفسنا وأعلم بما يصلحنا وأقدر على تدبير أمورنا.


فإذا أدركنا ذلك عشنا حياتنا بقلوب أكثر طمأنينة ونفوس أكثر رضاً وعلاقات أكثر رحمة. وعرفنا أن الخير قد يأتي فيما نحب وقد يأتي فيما لا نحب. وأن كل ما يقدره الله لعباده المؤمنين يحمل في طياته حكمة ورحمة وإن خفيت عنا بعض تفاصيلها.


وتلك هي الحكمة التي تجعل الإنسان مطمئناً وهو يسير في دروب الحياة حتى يلقى ربه راضياً مرضياً بإذن الله.



author-img

JOURNALEST

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة