JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Accueil

العدد أربعون.. حين يتحول الرقم إلى رمزٍ للوحي والنضج والتحول


 بقلم /مصطفى صبحي 

ليست الأرقام في الوعي الإنساني مجرد رموزٍ للحساب والعدّ، بل إن بعضها اكتسب عبر التاريخ والدين أبعادًا تتجاوز قيمته الرقمية ليصبح حاملًا لمعانٍ روحية وحضارية عميقة. ومن بين هذه الأعداد يبرز الرقم أربعون، الذي تكرر حضوره في النصوص المقدسة والأحداث الكبرى، حتى غدا رمزًا للنضج والتهيئة والاكتمال والانتقال من مرحلة إلى أخرى.


وقد ورد العدد أربعون في القرآن الكريم في مواضع عدة، ارتبط أغلبها بمحطات فاصلة في تاريخ الرسالات والإنسان. فجاء في ميقات سيدنا موسى عليه السلام حين وعده ربه ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر، فتم ميقاته أربعين ليلة، وهي الفترة التي تلقى فيها الألواح وكُتب له التشريع. كما ورد في عقوبة بني إسرائيل حين كُتب عليهم التيه أربعين سنة يضربون في الأرض جزاء تمردهم وعصيانهم. وجاء كذلك في قوله تعالى: ﴿حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة﴾، في إشارة بليغة إلى اكتمال نضج الإنسان العقلي والنفسي والروحي.


وفي السنة النبوية الشريفة يتجلى حضور هذا العدد بصورة لافتة. فقد اختار الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم سن الأربعين ليكون موعد نزول الوحي وبداية الرسالة الخاتمة، وكأن هذه السن تمثل ذروة اكتمال التجربة الإنسانية واستعداد النفس لحمل أمانة السماء.


كما ارتبط العدد أربعون بمراحل الخلق الأولى؛ إذ أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الجنين يمكث أربعين يومًا نطفة، ثم أربعين يومًا علقة، ثم أربعين يومًا مضغة، قبل أن يؤمر الملك بنفخ الروح فيه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقائه أو سعادته. وفي هذا التدرج ما يشير إلى أن البناء العظيم يحتاج إلى زمنٍ من الإعداد والتكوين قبل أن يكتمل ويؤتي ثماره.


وتكرر الرقم نفسه في أحاديث الترغيب والترهيب، فمن أتى عرّافًا فصدقه لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة، ومن قتل معاهدًا حُرم من ريح الجنة التي يوجد ريحها من مسيرة أربعين عامًا. كما ورد في شأن المرور بين يدي المصلي، حيث جعل النبي صلى الله عليه وسلم الوقوف أربعين خيرًا من اجتياز موضع الصلاة، تعظيمًا لحرمة العبادة وخشوعها.


وفي الحديث عن الفطرة، حُددت مدة أربعين يومًا حدًا أقصى لبعض خصال النظافة الشخصية كقص الأظافر وحلق الشارب ونتف الإبط وحلق العانة، تأكيدًا على عناية الإسلام بالمظهر والنظافة والوقاية الصحية.


أما في أحاديث آخر الزمان، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدجال يمكث في الأرض أربعين يومًا، يوم منها كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وسائر أيامه كأيام الناس المعتادة، في تصوير فريد لمرحلة استثنائية من الابتلاء والاختبار.


ولم يقتصر حضور العدد أربعين على التراث الإسلامي وحده، بل نجده مترددًا في حضارات وثقافات عديدة. فقد ورد في بعض الروايات أن طوفان نوح عليه السلام استمر أربعين يومًا، كما ارتبط الرقم في التراث القديم بفترات التطهير والتهيئة والتجدد. ويُذكر أن المصريين القدماء كانوا يخصصون ما يقارب أربعين يومًا لتحنيط الجثمان، اعتقادًا منهم بأن هذه المدة تمثل مرحلة انتقالية تسبق رحلة الخلود في العالم الآخر.


ومن يتأمل هذا الحضور المتكرر للعدد أربعين يلحظ أنه غالبًا ما يرتبط بزمن التحول؛ أربعون ليلة للميقات، وأربعون سنة للتيه، وأربعون عامًا لاكتمال النضج، وأربعون يومًا لمراحل الخلق أو لفترات الاختبار والتأديب. وكأن هذا الرقم يمثل في الوجدان الديني والإنساني فترةً زمنية كافية لإنضاج التجربة وصقل النفس وإعدادها لاستقبال مرحلة جديدة.


وهكذا يبقى العدد أربعون أكثر من مجرد رقم في سجل الأعداد؛ إنه رمزٌ تتقاطع عنده إشارات الوحي مع شواهد التاريخ، وتلتقي فيه معاني التربية والتهيئة والنضج والاكتمال، ليذكرنا بأن التحولات الكبرى لا تولد فجأة، وإنما تنضج عبر زمنٍ من الصبر والإعداد حتى يحين أوانها.



NomE-mailMessage