JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Startseite

الدعم النقدي في مصر بين كفاءة التوزيع ومقصلة التضخم وتفكيك العقد الاجتماعي


كتب : احمد فرغلى عباس 

تشهد الأروقة الاقتصادية والسياسية في مصر حالة من الجدل الواسع، بعد إعلان الحكومة عن خطتها  في ملف الدعم، والتحول تدريجياً من النظام العيني (السلع التموينية والخبز المدعم) إلى نظام "الدعم النقدي المشروط". وتبرر الحكومة هذا التوجه برغبتها في محاربة الفساد، وتقليل الهدر، وضمان وصول الدعم المباشر إلى مستحقيه الفعليين عبر شرائح ذكية ورقمية موحدة.

ولكن، خلف هذه الوعود تلوح في الأفق مخاوف عميقة؛ مخاوف تتعلق بزيادة معدلات التضخم، ومخاطر طباعة النقد، والأهم من ذلك: شبح التآكل السريع للقيمة الشرائية، وتفكيك العقد الاجتماعي غير المكتوب الذي حفظ السلم المجتمعي لعقود طويلة.

أولاً: معضلة السيولة والطباعة.. هل يؤدي الدعم النقدي إلى زيادة التضخم؟

تتركز المخاوف الأساسية للاقتصاديين والمواطنين في أن ضخ أموال سائلة مباشرة في أيدي ملايين المستفيدين، أو دفع هذه الأموال إلكترونياً للتجار لتعويضهم عن السلع، سيؤدي حتماً إلى موجة تضخمية جديدة. والسيناريو المخيف هنا يتلخص في الآتي: إذا لم تكن لدى الحكومة موارد حقيقية (من الإنتاج أو عوائد الدولة) لتغطية هذه المبالغ، فقد تلجأ إلى "طباعة الأموال" (التمويل بالعجز) لتدفع للتجار والمواطنين بالجنيه المصري.

اقتصادياً، طباعة النقد دون غطاء من السلع والخدمات هي الوصفة السحرية للكارثة؛ إذ تعني زيادة المعروض النقدي في السوق مقابل نفس كمية السلع المعروضة، مما يؤدي فوراً إلى انخفاض قيمة العملة وارتفاع جنوني في الأسعار. وحتى لو لم تطبع الحكومة أموالاً جديدة، فإن تحويل الدعم من "عيني" (مسيطر على سعره جبرياً) إلى "نقدي" يخلق طلباً مفاجئاً وكبيراً على سلع السوق الحر، مما يمنح التجار فرصة لرفع الأسعار، وبالتالي يلتهم التضخم الدعم قبل أن يصل إلى جيوب المواطنين.

ثانياً: التآكل التاريخي للقوة الشرائية.. من "اللحمة" إلى "رغيف العيش"

المشكلة الأكبر في الدعم النقدي هي جموده مقابل مرونة الأسعار وصعودها؛ فالقيمة الاسمية للمال تفقد معناها تماماً مع مرور الوقت بسبب التضخم. والتاريخ المصري يحمل دلالات صارخة على كيفية تآكل القوة الشرائية للعملة.

نموذج تاريخي من دفتر الأحوال المصرية: في ثلاثينيات القرن الماضي، كان الموظف المصري يتقاضى علاوة للمولود الجديد تقدر بـ 1.5 جنيه مصري (جنيه ونصف). في تلك الحقبة، كان هذا مبلغاً بسيطاً يمتلك قوة شرائية هائلة تمكن الأسرة من شراء نحو 8 كيلوجرامات من اللحم. اليوم، وبعد عقود من التضخم المتراكم وتراجع قيمة العملة، فإن الـ 1.5 جنيه لا تكاد تشتري للمواطن رغيف خبز واحد من السوق الحر.

هذا المثال يجسد الرعب الذي يعيشه المواطن اليوم: إذا تقررت قيمة الدعم النقدي بمبلغ معين، فما هي قيمته بعد سنة أو سنتين في ظل موجات الغلاء؟ إن غياب آلية واضحة ومستمرة لربط الدعم بمعدل التضخم بشكل دوري وسريع سيعني تحول هذا الدعم بمرور الوقت إلى "أرقام بلا قيمة".

ثالثاً: البُعد الاجتماعي وضغط الأسواق على الطبقات الفقيرة

بينما تنشغل الدوائر الاقتصادية بحسابات الأرقام، تقبع خلفها ملايين الأسر التي يمثل لها الدعم مسألة حياة أو موت. إن الانتقال للنظام النقدي يحمل أبعاداً اجتماعية خطيرة تضغط على الفئات الأكثر احتياجاً:

  • غياب الحماية التلقائية: تميز الدعم العيني بأنه يوفر درعاً ضد تقلبات الأسعار؛ فإذا ارتفع سعر السلعة عالمياً، امتصت الدولة الصدمة وظل المواطن يحصل على كميته الثابتة. أما في النظام النقدي، يجد المواطن نفسه وجهاً لوجه أمام تقلبات السوق وجشع التجار بمبلغ ثابت لا يتمدد بتمدد الأسعار.

  • معضلة الإنفاق غير الرشيد: الدعم العيني يذهب مباشرة إلى المطبخ لضمان الأمن الغذائي للأطفال والنساء. أما المال السائل فهو "مرن"، وقد تُجبر الأسرة تحت وطأة الحاجة على توجيهه لسداد ديون، أو إيجار متأخر، أو مصاريف دراسية، مما يؤدي إلى انخفاض مباشر في معدلات التغذية للأطفال وظهور أمراض سوء التغذية.

  • سيكولوجية الفقر وغياب الأمان: يوفر الدعم العيني للأسرة الفقيرة "أماناً استراتيجياً" بأن قوت يومها مؤمّن. أما المال السائل فيتبخر سريعاً في مواجهة الطوارئ (كالأمراض المفاجئة)، ليجد المواطن نفسه في نهاية المطاف بلا مال وبلا غذاء، مما يرفع من معدلات القلق والضغط النفسي داخل الأسر.

  • الاحتكار المحلي في الريف: يفترض النظام النقدي وجود سوق حر وتنافسي، وهو ما يغيب عن قرى الصعيد والمناطق الحدودية، حيث يتحكم تجار معدودون في الأسعار، فيرفعونها لامتصاص السيولة الجديدة، لتصبح القيمة الفعلية للدعم في الريف أقل بكثير منها في الحضر.

رابعاً: تفكيك "العقد الاجتماعي غير المكتوب" وتهديد السلم الاجتماعي

يرتكز استقرار أي دولة على "عقد اجتماعي غير مكتوب" وضمني بين السلطة والشعب. في مصر، تشكل هذا العقد عبر عقود طويلة وتلخصت معادلته في: "أن يترك المواطن شؤون الحكم والإدارة للدولة، في مقابل أن تلتزم الدولة بتوفير مقومات الحياة الأساسية بأسعار مدعومة تناسب قدراته." وكان الدعم العيني هو الأداة المرئية لتنفيذ هذا التعهد.

التحول إلى الدعم النقدي يمثل مساساً مباشراً ببنود هذا العقد؛ إذ ينقل العبء والمسؤولية من "عاتق الدولة الرعائية" إلى "عاتق الفرد" ليواجه الأسواق بمفرده. هذا التحول يولد شعوراً عميقاً بالخذلان، وتفكيك هذا العقد لا يتوقف عند حدود الضيق الاقتصادي، بل يمتد ليضرب السلم الاجتماعي في مقتل من خلال:

  • تآكل الولاء والانتماء: عندما يشعر المواطن أن الدولة لم تعد تضمن له بقاءه البيولوجي الأساسي (الطعام)، يتحول المجتمع في نظره إلى ساحة صراع للبقاء للأقوى مالياً.

  • ارتفاع معدلات الجريمة العنيفة والاضطراب: الضغط المالي وسحق الطبقات الفقيرة والمتوسطة الدنيا يدفعان بالضرورة إلى نمو الجريمة القائمة على الحاجة (كالسرقة والنصب والسطو)، فضلاً عن الاحتقان والاضطراب الطبقي الذي يجعل السلم الاجتماعي هشاً وقابلاً للاشتعال نتيجة غياب الحماية الرعائية.

خامساً: تجارب دولية.. ودروس تحذيرية من نموذجي إيران والبرازيل

مصر ليست الدولة الأولى التي تخوض هذه التجربة، وهناك نماذج دولية تقدم دروساً بالغة الأهمية ما بين النجاح المشروط والفشل الكارثي:

  • البرازيل (برنامج Bolsa Família):

    نجحت في انتشال الملايين من الفقر عبر تقديم دعم نقدي "مشروط" برعاية الأطفال صحياً وتعليمياً. واعتمد هذا النجاح بشكل كامل على دقة شبكة البيانات لفرز المستحقين، وتزامن ذلك مع طفرة اقتصادية، واستقرار متين في سعر العملة المحلية (الريال البرازيلي)، ومراقبة حازمة للأسواق منعت التجار من استغلال السيولة المباشرة ورفع الأسعار احتكارياً.
    لكن هنا نحتلف التجربة المصرية عن البرازيل فى 

    1 استقرار الاقتصاد الكلي (التحدي الأكبر بمصر)

    • في البرازيل: طُبّق البرنامج بالتزامن مع طفرة اقتصادية، واستقرار في سعر العملة المحلية (الريال البرازيلي)، ومعدلات تضخم منخفضة ومسيطر عليها.

    • في مصر: يتم التخطيط لتطبيق الدعم النقدي في بيئة اقتصادية بالغة التعقيد، تتسم بموجات تضخمية متتالية وضغوط على الجنيه المصري. في البرازيل، كان المبلغ النقدي يحافظ على قيمته؛ أما في مصر، فإن التخوف الأكبر هو أن الجنيه يفقد قوته الشرائية بسرعة (مثل مثال علاوة الـ 1.5 جنيه التاريخي)، وإذا لم تلتزم الحكومة بـ آلية آلية مرنة لزيادة مبلغ الدعم شهرياً أو ربع سنوياً لمواجهة التضخم، سيفشل البرنامج اجتماعيًا.

    2 المراقبة الصارمة للأسواق ومنع استغلال السيولة

    • في البرازيل: واجهت الحكومة جشع التجار بآليات سوق حر تنافسي حقيقي، مع فرض عقوبات صارمة على أي محاولات احتكارية لرفع الأسعار فور ضخ أموال الدعم.

    • في مصر: تعاني الأسواق المصرية تاريخياً من ضعف الرقابة الهيكلية وتعدد الحلقات الوسيطة (الوسطاء والموزعين)، بالإضافة إلى ظاهرة الاحتكار المحلي في القرى والريف. ضخ مبالغ نقدية سائلة لـ 60 أو 70 مليون مواطن (الحديث يدور حكومياً حول مبالغ أولية مقترحة قد تصل لنحو 325 جنيهاً للفرد) سيغري التجار فوراً برفع الأسعار لامتصاص هذه السيولة، مما يفرغ الدعم من مضمونه.

  • إيران (تحرير أسعار الطاقة 2010):

     أقدمت الحكومة الإيرانية على إلغاء دعم السلع والمرافق واستبداله بمبالغ نقدية أودعت في حسابات المواطنين. ورغم محاولات التهدئة الأولية، انتهت التجربة بـ انفجار الأوضاع وخروج مظاهرات واحتجاجات شعبية ضخمة عمت البلاد نتيجة لعدة عوامل كارثية:

الدرس الإيراني: كيف تحول الدعم إلى وقود للمظاهرات؟

  1. صدمة الأسعار الفورية: قفزت أسعار الوقود والخبز والمرافق بنسب مرعبة وصلت إلى 400% دفعة واحدة، مما أصاب الأسواق والمواطنين بصدمة تضخمية شلت قدرتهم على التعايش.

  2. فخ التمويل بالطباعة: سارعت الحكومة لطبع الأموال لتمويل هذه التحويلات لقرابة 80% من الشعب بالتزامن مع وجود عقوبات اقتصادية. أدى ذلك إلى انهيار متسارع في قيمة "الريال الإيراني"، وباتت المبالغ النقدية الممنوحة مجرد أرقام بلا قيمة شرائية حقيقية، عاجزة عن تلبية الاحتياجات الأساسية.

  3. سحق الأمن المجتمعي والصدام: سقطت الطبقة المتوسطة والدنيا في مستنقع الفقر المدقع، وتحول الغضب الاقتصادي سريعاً إلى احتقان سياسي ومجتمعي أخرج الحشود للشوارع احتجاجاً على الغلاء وتخلي الدولة عن دورها الرعائي، ولم يهدأ الشارع إلا بوقوع كلفة أمنية واجتماعية باهظة.

تعقيب اقتصادي.. أين تقف مصر من هذه النماذج؟

إذا تطلعنا إلى الواقع المصري، نجد أن الدولة جاهزة تقنياً من خلال قواعد البيانات والتحول الرقمي لفرز المستحقين (بشروط استبعاد تعتمد على ملكية السيارات، المدارس الدولية، أو حجم الدخل)، وهذا يقربها من نجاح البرازيل التنظيمي.

لكن على الجانب الآخر، فإن البيئة الاقتصادية والرقابية في مصر لا تشبه البرازيل بل تقترب من مخاطر النموذج الإيراني؛ حيث يتم تطبيق الدعم في ظل موجات تضخمية متتالية وضغوط مستمرة على الجنيه المصري، فضلاً عن ضعف الرقابة الهيكلية وتعدد الحلقات الوسيطة في الأسواق التي تسمح للتجار بامتصاص أي سيولة نقدية جديدة فور ضخها.

الدعم النقدى و الدائرة الجهنمية 

والمستفيد الوحيد في هذه الدوامة هو الوسيط الرابض في المنتصف، من المعروف ان استيراد السلع الاساسية ليس امر متروك لكل من يريد الاستيراد با ان السلع التمونية الاساسية تكون هناك جهات محددة تقوم باستيرادها و هنا حقيقة بسيطة يجب أن نعرفها  ؛ هو ان المواطن المصري لا يشتري من سوق حر، فالسلع الأساسية من قمح وزيت وسكر تستوردها جهات محددة بالدولار، ثم تبيعها للتجار بالجنيه.

فإذا أعطت الدولة للمواطن جنيهات، ذهب بها للتاجر، والتاجر دفعها لتلك الجهات ليشتري منها البضاعة، وتلك الجهات احتاجت دولارات لتستورد من الخارج من جديد.

والدولار مش موجود دايماً، فتلجأ الحكومة لطباعة المزيد من الجنيهات لشراء الدولار من السوق يعطى لتلك الجهات للشؤاء السلع . وحين يزيد عرض الجنيه هكذا تنخفض قيمته، فيغلو الدولار هذا من جهة ، على الجانب الاخر تعطى الدولة التجار مستحقتهم بالجمية و الذى ان لم يتوفر يتم طباعته  فيودى الامران معا الى تضخم حتمى ، فيرفع التاجر الأسعار، ويجد المواطن أن الدعم الذي أخذه اليوم لا يكفيه لشراء ما اشتراه بالأمس.

دوامة مغلقة: الدولة تطبع جنيهاً لتشتري دولاراً،  و لتهطى مستحقات التجار ؛ فيرخص الجنيه، فيغلو الدولار، فترتفع أسعار كل شيء، فيتآكل الدعم، فتطبع الدولة جنيهاً أكثر، وهكذا دواليك.

 إن التحول إلى الدعم النقدي في مصر يحمل في طياته "سلاحاً ذو حدين"، والنموذج الإيراني يمثل جرس إنذار صاخب. فإذا تم تطبيق هذا التحول كآلية مرنة مع ربطه الصارم والتلقائي بمؤشرات التضخم، وضمان عدم تمويله عبر طباعة النقود، وبسط رقابة حكومية حديدية على الأسواق لمنع جشع الاحتكارات، فقد ينجح في كبح الفساد وتوجيه الموارد لمستحقيها على غرار البرازيل.

أما إذا تم التعامل معه كمبلغ ثابت يُترك في مهب ريح الأسواق وفوضى الأسعار وتآكل الجنيه، فإن التاريخ يعيد نفسه، وتتحول الجنيهات الممنوحة للمواطن مستقبلاً إلى مجرد "ورق" لا يشتري له رغيف الخبز. إن كلفة انهيار السلم الاجتماعي وفقدان المواطن لشعوره بالأمان الاستراتيجي في لقمة عيشه، ستيبقى دائماً أغلى بكثير من أي وفورات مالية تسعى الموازنة لتحقيقها.

NameE-MailNachricht