JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Home

ثلاثية البقاء في غرف الاخبار الحديثة




ساهرة رشيد/ العراق


تشغلنا تفاصيل العمل الصحفي اليومي عن إعادة النظر في الأدوات التي تحرك عالمنا.


حين شاركت مؤخرا في سلسلة دورات تدريبية مكثفة شملت الحوكمة والأتمتة والأمن السيبراني، وصولا إلى برنامج "إعداد المدربين" (TOT)، دخلت تلك القاعات وأنا أحمل قناعة تقليدية: "هذه المواضيع تخص مهندسي تقنية المعلومات والإدارة العليا فقط، ولا علاقة لها بصناعة الكلمة".


لكن ما حدث خلف تلك الأبواب قلب موازين قناعاتي تماما. لم تكن دورة "إعداد المدربين" مجرد تعلم لطرق الإلقاء، بل كانت الجسر الذي ربط بين فهمي التقني كمتدرب ومسؤوليتي المهنية كصحفي. تحولت تلك المصطلحات التقنية الجافة إلى "عدسات" لاقطة جعلتني أرى ممارساتنا الإعلامية اليومية برؤية مختلفة وأكثر عمقا.


الوجه الخفي للوفرة: هل ننتج هدرا إخباريا؟


نعيش اليوم في عالم يغرق بالمعلومات، لكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نواجهه بشجاعة هو: هل كل ما ننتجه يضيف قيمة؟


الحقيقة الصادمة هي أننا غالبا ما نساهم في صناعة "هدر إخباري رقمي" دون أن نشعر. هذا الهدر لا يعني شح الأخبار، بل يعني فائضها المكرر والممل. ويتجسد هذا الوباء الرقمي في:


• التدوير العقيم: إعادة صياغة الخبر نفسه عشرات المرات بقوالب مختلفة لا تقدم أي جديد للمتلقي.


• فخ السرعة: السباق المحموم نحو السبق الصحفي الذي يدهس في طريقه عمق المحتوى وجودته، وحتى مصداقيته.


• الضوضاء المعلوماتية: إغراق الجمهور، بحسن نية، في بحر من التفاصيل الهامشية التي تشتت الانتباه وتفقد الصحافة جوهرها المعرفي.


• استنزاف المبدعين: تبديد الطاقات الإبداعية للصحفيين في ملاحقة مهام روتينية كان يمكن استغلالها في التحقيق والتحليل.


من إعداد المدربين إلى صناعة الوعي


كان إدراج برنامج إعداد المدربين (TOT) في رحلتي التدريبية الحلقة المفقودة، فقد علمني كيف أنقل هذه المفاهيم المعقدة من مجرد نظريات إلى سلوكيات وممارسات يومية. وبفضل أدوات إعداد المدربين، لم أعد أنظر إلى المعلومة بوصفها شيئا يجب بثه فقط، بل رسالة يجب هندستها لتصل بفعالية.


أصبح دوري كصحفي ومدرب يتقاطع في نقطة واحدة: تفكيك التعقيد التقني وتقديمه للمتلقي بأسلوب رصين ومبسط، بعيدا عن حشو البيانات المهدرة.


حارس البوابة في ثوبه الجديد: الفلتر الذكي


في الماضي، كان مفهوم حارس البوابة (Gatekeeper) يعني ببساطة من يملك سلطة نشر الخبر أو حجبه. أما اليوم، وفي عصر التدفق اللامحدود للمعلومات، فقد تعاظم هذا الدور ليتحول إلى فلتر ذكي ومسؤول.


حارس البوابة الرقمي اليوم ليس رقيبا، بل صمام أمان للمجتمع، تقع على عاتقه مسؤوليات جسيمة:


• حائط الصد الأول: يقف في الخطوط الأمامية لكشف التضليل ومحاربة الأخبار الزائفة.


• مهندس المعرفة: يأخذ البيانات الخام المبعثرة، ويمحصها، ويحولها إلى سياق مفهوم وقصة متماسكة.


• موزع الجرعات: يحرص على تقديم المحتوى بذكاء وعمق يضمنان التأثير، بدلا من إغراق الجمهور بالتكرار.


• حارس السمعة: يوفر على المؤسسة جهدا ضائعا، ويمنحها أهم عملة في السوق اليوم، وهي ثقة الجمهور.


ثلاثية البقاء: الحوكمة والأتمتة والأمن السيبراني


لم يعد الحديث عن هذه المفاهيم داخل غرف الأخبار ترفا تكنولوجيا، بل أصبح ثلاثية التكامل الاستراتيجي وضمانة وجودية لاستدامة أي مؤسسة إعلامية.


• الحوكمة (العقل المدبر): تضع القواعد والضوابط، وبدونها تضيع المعايير المهنية في فوضى الركض خلف الترند.


• الأتمتة (الذراع التنفيذية): تتولى المهام الروتينية، وبدونها يغرق الصحفي في الأعمال المتكررة ويفقد قدرته على الابتكار.


• الأمن السيبراني (الحصن المنيع): هو الدرع الذي يحمي مصادرنا وبياناتنا ومصداقيتنا التي قد تنسف في لحظة.


الكلمة رسالة وليست سلعة للاستهلاك


إن تطوير الإعلام لا يقاس بمدى حداثة الأجهزة، بل بالحكمة البشرية في توظيفها. لقد علمتني هذه التجربة، وتدريبات الـ TOT، أن الإعلام الرقمي الرصين هو الذي يزاوج بنجاح بين الحس الصحفي الإنساني والأدوات التقنية الصارمة.


اليوم، لم أعد أنظر إلى عملي بوصفه مجرد إنتاج محتوى متلاحق، بل رسالة معرفية تتطلب أعلى درجات الكفاءة. وفي عالم يغص بالضجيج، تصبح الدقة والأمان والحوكمة هي العملة النادرة التي نبني بها مؤسسات إعلامية قادرة على البقاء والاستمرار وصناعة الأثر الحقيقي.

NameEmailMessage