JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

من سلسلة "التاريخ من وراء الستار".

 


هناك لحظات في التاريخ لا تتجلى أهميتها في عدد السيوف التي رُفعت، ولا في أسماء الملوك الذين جلسوا على العروش، بل في الطرق التي سلكها المظلومون حين أُغلقت أمامهم كل الطرق.

فالتاريخ الإنساني لم تُشكّله الإمبراطوريات وحدها، بل شكّلته أيضًا قوافل صغيرة من البشر حملت أفكارًا أكبر من أوطانها، واضطرت إلى الرحيل كي تبقى تلك الأفكار حيّة.

وعندما يشتد الصراع بين السلطة والعقيدة، وبين القوة والضمير، تظهر لحظة فارقة تتكرر عبر العصور كلها، لحظة يبحث فيها الإنسان عن مكان لا يسأله من أي قبيلة جاء، بل أي حق يحمل.

في ذلك الزمن كانت مكة تبدو قوية بما تملكه من نفوذ وثروة وتحالفات، وكانت القبائل العربية تدور في فلك موازين القوة والعصبية، لكن خلف الأفق البعيد كانت تتشكل مفارقة تاريخية مذهلة؛ فبينما ضاقت أرض العرب بفئة قليلة من المؤمنين، كانت أرض أخرى وراء البحر تستعد لتمنحهم ما عجزت عنه أوطانهم، العدالة.

وهنا لا نتحدث عن رحلة هروب عابرة، ولا عن انتقال مجموعة من الناس من مكان إلى آخر، بل عن حدث يكشف إحدى أهم الحقائق التي غيرت مسار التاريخ لاحقًا، أن الأفكار الكبرى لا تعترف بالحدود، وأن الرسالات حين تُحاصر في موطنها الأول تبدأ في البحث عن نوافذ جديدة نحو العالم.

كانت تلك أول مواجهة حقيقية بين الدعوة الناشئة والنظام الإقليمي المحيط بها، وأول اختبار سياسي خارج حدود مكة، وأول احتكاك مباشر بين الإسلام الناشئ وقوة دولية قائمة آنذاك. ومن بين أمواج البحر الأحمر خرج فصل استثنائي أثبت أن العدل قد يجمع بين أمم تختلف في اللغة والعقيدة، وأن التاريخ أحيانًا يكتب أكثر صفحاته تأثيرًا في الأماكن التي لم يكن أحد يتوقعها.

وهكذا بدأت قصة لم تكن مجرد هجرة. بل بداية خروج الفكرة من حدود الجزيرة إلى فضاء التاريخ.

الهجرة إلى الحبشة، حين بحث المؤمنون عن العدالة خارج الجزيرة

سلسلة التاريخ من وراء الستار

بقلم / محمد مصطفى كامل

من أغرب مفارقات التاريخ أن الإنسان لا يغادر وطنه عادةً لأنه يكرهه،بل لأنه لم يعد يستطيع أن يعيش فيه.

فالأرض ليست مجرد جبال ووديان ومدن وأسواق.

الأرض هي الأمان.

والإنسان لا يترك الأمان إلا إذا أصبح الخوف أقوى منه.

وهكذا كان الحال في مكة.

فكلما اشتد ضغط قريش على المؤمنين، كانت الدعوة تزداد انتشارًا.

وكلما ازداد التعذيب، ازداد أصحاب الرسالة تمسكًا بها.

حتى وصلت الأحداث إلى لحظة فارقة.

لحظة لم يعد السؤال فيها !

كيف سيصبر المؤمنون؟

بل،كيف سيبقون أحياء؟

وهنا بدأ التاريخ يفتح بابًا لم يكن أحد يتوقعه.

ليس في قبائل العرب،

ولا في مدن الجزيرة،

بل خلف البحر.

في أرض بعيدة لا تتحدث العربية.

ولا تعبد الأصنام.

ولا تعرف الكثير عن مكة.

أرض اسمها الحبشة.

حين ضاقت مكة بأبنائها

كانت قريش تظن أن الضغط المستمر سيقضي على الدعوة.

فالمؤمنون الأوائل لا يملكون جيشًا.

ولا قبيلة قوية تحمي معظمهم.

ولا نفوذًا اقتصاديًا يواجه سادة مكة.

وكان المستضعفون هم أول من دفع الثمن.

بلال.

وخباب.

وعامر بن فهيرة.

وغيرهم كثير.

وفي كل يوم كانت كلفة الإيمان ترتفع.

حتى أصبح بعض المسلمين يعيشون بين خيارين،التراجع،أو العذاب.

لكن التاريخ كان يتجه نحو خيار ثالث.

الهجرة.

لماذا الحبشة؟

هنا يتوقف المؤرخ طويلًا.

فالجزيرة العربية كانت مليئة بالقبائل.

وكان بإمكان المسلمين أن يتفرقوا بينها.

لكن الاختيار وقع على الحبشة.

والسبب لم يكن القوة العسكرية.

ولا المصالح التجارية.

بل العدالة.

فقد أخبر النبي صل الله عليه وسلم أصحابه عن ملك هناك لا يُظلم عنده أحد.

وكان ذلك الملك هو النجاشي.

حاكم مملكة أكسوم في الحبشة.

وفي عالم كانت القوة فيه غالبًا فوق القانون، كان وجود حاكم عادل حدثًا استثنائيًا بحد ذاته.

ولهذا لم تكن الهجرة بحثًا عن الثراء.

ولا عن النفوذ.

بل كانت بحثًا عن الحق في الحياة.

أول عبور نحو المجهول

في هدوء بعيدًا عن أعين قريش، خرجت المجموعة الأولى من المسلمين.

رجال ونساء تركوا بيوتهم وأموالهم وأهلهم.

وركبوا البحر نحو أرض لم يعرفوها من قبل.

ولعل أصعب ما في الهجرة ليس السفر نفسه.

بل المجهول.

أن تترك كل ما تعرفه خلفك.

وتمضي نحو مستقبل لا تعلم كيف سيكون.

لكن الإيمان كان أقوى من الخوف.

وكان الأمل أقوى من المجهول.

فوصل المهاجرون إلى الحبشة.

وهناك بدأ فصل جديد من القصة.

قريش تلاحقهم إلى ما وراء البحر

لكن قريش لم تكن مستعدة لتركهم.

فإذا نجحت التجربة، فإن المسلمين سيحصلون على مساحة آمنة للحياة والدعوة.

ولهذا أرسلت وفدًا برئاسة عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة.

محملين بالهدايا الثمينة.

وكان الهدف واضحًا

إقناع النجاشي بتسليم اللاجئين.

وفي حسابات السياسة بدت المهمة سهلة.

فالمهاجرون غرباء.

وقريش قوة معروفة.

والهدايا كثيرة.

لكن التاريخ لم يكن يسير وفق تلك الحسابات.

جعفر بن أبي طالب، حين تحدثت الفكرة عن نفسها

وقف جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي.

ولم يتحدث عن القوة.

ولا عن القبائل.

ولا عن التجارة.

بل تحدث عن الإنسان.

قال إنهم كانوا قومًا يعيشون في الجاهلية.

يعبدون الأصنام.

ويأكل القوي منهم الضعيف.

حتى بعث الله إليهم رسولًا يعرفون صدقه وأمانته.

ثم تلا على النجاشي آيات من سورة مريم تتحدث عن السيدة مريم وعيسى عليهما السلام.

وهنا حدث شيء لم يكن متوقعًا.

بكى النجاشي.

وبكى رجال الدين من حوله.

وأدركوا أن ما يسمعونه ليس دعوة غريبة كما صوّرتها قريش.

بل رسالة تنتمي إلى الجذر نفسه الذي جاءت منه الرسالات السابقة.

قرار غيّر مجرى الأحداث

جاءت اللحظة الحاسمة.

هل يسلم النجاشي المهاجرين؟

أم يحميهم؟

وكان قراره واضحًا.

رفض تسليمهم.

وأعاد هدايا قريش.

وأعلن أن هؤلاء الناس سيبقون آمنين في أرضه.

وفي تلك اللحظة حدث أمر بالغ الأهمية في التاريخ الإسلامي.

لأول مرة منذ بدء الاضطهاد، وجد المسلمون أرضًا تحميهم.

ولأول مرة فشلت قريش في فرض إرادتها خارج مكة.

ولأول مرة أدركت أن الدعوة بدأت تتجاوز حدود سيطرتها.

ماذا تعلمنا من الهجرة إلى الحبشة؟

في ظاهرها كانت رحلة هروب من الاضطهاد.

لكن في حقيقتها كانت أكثر من ذلك.

كانت إعلانًا أن الرسالة الجديدة لا تنتمي إلى قبيلة بعينها.

ولا إلى شعب بعينه.

بل تحمل قيمًا تستطيع أن تجد من يفهمها حتى خارج حدود الجزيرة العربية.

كما كشفت أن العدالة قد تجمع بين أناس تختلف ألسنتهم وأوطانهم وعقائدهم.

فالذي حمى المسلمين يومها لم يكن عربيًا.

ولم يكن من قومهم.

لكنه كان رجلًا عرف قيمة العدل.

وهنا انتصر المبدأ على السياسة.

والإنسان على العصبية.

ظنت قريش أنها حين ضيقت على المؤمنين ستخنق الدعوة داخل أزقة مكة.

لكن التاريخ كان يفتح لها نافذة جديدة على العالم.

فبينما كان سادة مكة يحاولون إغلاق الأبواب، كانت الأقدار تفتح بابًا خلف البحر.

وفي الحبشة تعلم المسلمون درسًا لن ينسوه أبدًا

أن الحق قد يجد أنصارًا في أماكن لا يتوقعها أحد.

وأن العدالة لا ترتبط بلون أو لغة أو قبيلة.

لكن قريش لم تستسلم.

فبعد أن فشلت في استرداد المهاجرين، قررت أن تخوض معركة أخرى.

معركة أشد قسوة.

معركة لا تستهدف أفرادًا هذه المرة

بل تستهدف قبيلة كاملة.

وهكذا اقتربت مكة من واحدة من أكثر صفحاتها ظلمة.

ثلاث سنوات من الجوع والعزلة والحصار.

ثلاث سنوات حاول فيها سادة قريش أن يخنقوا الفكرة داخل وادٍ صغير.

فهل نجحوا؟

ذلك ما سنكشفه في المقال القادم إن شاء الله.

الحصار وقتل الفكرة 

من سلسلة "التاريخ من وراء الستار".

author-img

JOURNALEST

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة