JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Startseite

غشاء البكارة: وهم اجتماعي يُدار بعيادات مرخص

 


بقلم: شيما فتحي

في حجرة كشف باردة، تحت ضوء نيون أبيض، تُرتكب كل يوم جريمة كاملة الأركان. لا تتعلق بالقتل ولا بالسرقة، بل تتعلق بـ"المعرفة". هناك طبيب حلف قسم أبقراط، وأم جاءت تدفع خمسمائة جنيه، وبينهما فتاة في العشرين يُطلب منها أن تثبت شرفها بـ"التشريح".
الواقعة اسمها في الأوراق "كشف عذرية"، واسمها في مواثيق الأمم المتحدة "عنف طبي". المفارقة أن الاثنين يحدثان في المبنى نفسه، وبالختم نفسه.
تفكيك الأسطورة بالوثائق
المجتمع المصري، كغيره من المجتمعات الزراعية القديمة، اخترع "الدم" دليلاً مادياً على العذرية حين لم يكن يملك غيره. لكن العلم الحديث نسف هذا الدليل من أساسه، وترك لنا الحقائق التالية على طاولة التشريح:
حقيقة الدم: خمسون بالمائة من النساء لا ينزفن في العلاقة الأولى. السبب أن ثلاثين بالمائة منهن لديهن ما يسمى طبياً "الغشاء المطاطي" الذي يتمدد ولا يتمزق، وعشرين بالمائة يولدن أصلاً بدونه. إذن غياب الدم ليس دليلاً على شيء سوى جهل من ينتظره.
حقيقة الرؤية: الغشاء له تسعة أشكال تشريحية معتمدة في كتب الطب. التفريق بين "المطاطي السليم" و"الممزق" مسألة خلافية حتى بين أساتذة النساء والتوليد. وبالتالي فإن أي "شهادة" تصدر هي رأي شخصي، لا تقرير معملي، ولا تصلح دليلاً قانونياً.
حقيقة السونار: الجهاز الذي اخترع لتصوير الرحم والمبيضين لا يرى غشاء سمكه أقل من ملليمتر واحد. من يدعي غير ذلك، يستخدم الجهل جهازاً للنصب، لا للتشخيص.
حقيقة الترقيع: هي عملية تجميلية تضع غرزتين جراحيتين تنزفان لاحقاً، وليست "استعادة للعذرية". دار الإفتاء المصرية وصفتها في الفتوى رقم 2485 بأنها "غش وتدليس".
حقيقة السلطة: لا يوجد في القانون المصري نص واحد يجيز إجبار أنثى على هذا الكشف. والإجبار عليه يكيف قانوناً على أنه "جناية هتك عرض" عقوبتها السجن من ثلاث إلى سبع سنوات.
تشريح المشهد... من المسؤول؟
المسؤولية هنا ليست فردية، بل هي منظومة متكاملة:
الطبيب: خرق قسم المهنة مرتين. مرة حين شارك في إجراء لا فائدة طبية منه، ومرة حين أصدر وثيقة يعلم أنها غير علمية. هو هنا ليس طبيباً، بل كاتب عدل مزيف.
الأسرة: تمارس نوعاً من "الوصاية الجسدية" التي سقطت في كل الشرائع الحديثة. الأم التي تجر ابنتها للكشف، تحطم بناءها النفسي وتزرع فيه ما يسميه الطب النفسي "اضطراب ما بعد الصدمة"، وهو نفس التشخيص الذي يصاب به ضحايا الحروب.
الزوج: الذي يعلق شرفه على قطعة جلد، أعلن ضمناً أنه رجل بلا شرف. لأن الشرف منظومة قيم يحملها الإنسان في رأسه، لا يحرسها له غشاء في جسد زوجته.
الصمت العام: هو الشريك الرابع. مجتمع يرى فتيات ينتحرن بعد ليلة الدخلة، ويكتفي بهز الرأس، هو مجتمع قرر أن يدفن بناته أحياء.
حين تحتكم إلى المرجعيات الكبرى، تسقط كل الحجج
منظمة الصحة العالمية أصدرت بياناً مشتركاً مع هيئة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان سنة 2018، نصه: "فحص العذرية ممارسة ضارة، لا أساس علمي لها، وتنتهك حقوق الإنسان".
دار الإفتاء المصرية حسمت الجدل دينياً: "الكشف على عذرية البنات حرام شرعاً، وهو تتبع للعورات وتجسس نهى عنه الإسلام، وفيه إهانة لكرامة الإنسان التي كرمها الله".
قسم أبقراط الذي يردده كل طبيب: "أقسم بالله العظيم... وأن أحفظ للناس كرامتهم". فأين كرامة الفتاة التي تُعرى لتُرضي هواجس لا أصل لها؟
كلمة للتاريخ: العذرية ليست غشاءً يُفحص، بل كرامة تُصان
إن أخطر ما في الخرافة ليس أنها خطأ، بل أنها خطأ مسلح بسلطة. سلطة الطبيب، وسلطة الأم، وسلطة المجتمع. وهذه السلطة الثلاثية اجتمعت لسنوات لتقنعنا أن الشرف يقاس بالملليمتر.
الحقيقة التي يجب أن تُكتب وتُعلق في كل عيادة نساء هي: العذرية سلوك، والشرف قيمة، والقيم لا تُرى بالسونار، ولا تُقاس بالمشرط.
إن استمرار هذه الممارسة ليس جهلاً، بل هو تواطؤ. وإن السكوت عليها ليس حياداً، بل هو مشاركة في جريمة.
المطلوب الآن ليس مزيداً من المقالات، بل قرار واضح من نقابة الأطباء بتجريم من يمارسها، وحملة توعية رسمية من الدولة تقول للناس: "كفى".
القضية إذن ليست قضية رأي، بل قضية وقت. لأننا في سباق مع عقارب الساعة، وكل دقيقة نخسرها تعني فتاة تُذبح كرامتها على مشرحة الجهل، والمقابل: خمسمائة جنيه

NameE-MailNachricht