JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Startseite

فضائح للبيع... والمشاهدات هي الثمن



بقلم:  أسامة حسان

في ظل الانفجار الهائل في وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد المحتوى ينتقل فحسب، بل يُقذف قذفًا بين الناس بسرعة تفوق أي منطق أو ضبط. 


وفي هذا الفضاء المفتوح، أصبحت بعض الأحداث والمقاطع تصل إلى ملايين خلال ساعات، دون تمحيص أو وعي، وكأن العالم كله تحول إلى ساحة بثٍّ فوضوية لا تعرف مسؤولية ولا حدود.


ورغم أن هذه المنصات وُجدت للتوعية ونشر المعرفة وتبادل الخبرات، فإن ما يحدث على أرض الواقع يكشف وجهًا آخر أكثر قسوة واضطرابًا.


 إذ برزت ممارسات خطيرة تتستر خلف شعارات براقة، وعلى رأسها إعادة نشر المقاطع الهابطة والفاضحة تحت ذريعة “محاربة الرذيلة” أو “كشف الفساد”.


في الواقع، لم يعد الأمر مجرد خطأ في التقدير، بل تحول في كثير من الحالات إلى سلوك مُتكرر يعيد تدوير القبح نفسه، ويقدمه في صورة “تحذير” أو “نصيحة”. 


فتجد من ينشر محتوى ساقطًا أو مشاهد غير لائقة، ثم يعلّق بعبارات مثالية عن الأخلاق والتحذير، بينما النتيجة الحقيقية واحدة: نشر القبح بدلًا من محاصرته، وتوسيعه بدلًا من دفنه.


المفارقة الصادمة أن ما يُرفع كشعار لمحاربة الانحطاط يتحول عمليًا إلى وقود لانتشاره. 


فالمحتوى الذي كان محدودًا أو شبه خامل يصبح فجأة مادة متداولة، يعاد نشرها ومشاهدتها والتعليق عليها، فتنتقل من الهامش إلى الصدارة، ومن العتمة إلى الواجهة، ومن النسيان إلى الترسخ في الوعي العام.


وفي عالم تحكمه خوارزميات المشاهدات والتفاعل، لم تعد النوايا وحدها كافية لتبرير الفعل. 


بل أصبح البعض يدرك تمامًا أن المحتوى الصادم والجارح هو الأسرع انتشارًا، فيُعاد تقديمه أحيانًا بغطاء “التحذير” بينما الدافع الحقيقي قد يكون البحث عن الانتشار أو ركوب موجة التفاعل، حتى لو كان الثمن هو تلويث الوعي العام.


إن ما يُسمى بمحاربة الظواهر السلبية لا يمكن أن يتم عبر ضخّها في شرايين المجتمع من جديد. فإعادة تدوير الانحراف لا تُنتج إصلاحًا، بل تُطيل عمره وتمنحه مساحة أكبر للتمدد. 


الإصلاح الحقيقي لا يقوم على الإثارة، ولا يحتاج إلى فضحٍ استعراضي، بل يعتمد على بناء وعي صلب، وتحصين فكري، ونشر البدائل النقية التي تُضعف حضور الخطأ بدلًا من تضخيمه.


وهناك فرق جوهري لا يجوز تجاهله: بين من يكشف مشكلة بهدف علاجها وتقليل ضررها، وبين من يحوّلها إلى مادة استهلاكية للضوء الرقمي والتفاعل.


 الأول يعمل في صمت لإطفاء النار، والثاني -بوعي أو بغير وعي- يسكب الوقود عليها ثم يتحدث عن خطورتها.


وفي النهاية، تبقى المسؤولية الأخلاقية والإعلامية مسؤولية ثقيلة لا تحتمل التهاون. 


فالكلمة لم تعد مجرد رأي عابر، والصورة لم تعد مجرد لقطة، بل أصبحت أدوات تشكيل وعي وصناعة إدراك جمعي. 


ومن هنا فإن مواجهة الفساد لا تكون بإعادة بثّه، بل بكسر دائرة انتشاره، وتجفيف منابعه، وبناء وعي يرفضه من الأصل لا يروّج له تحت أي شعار.

NameE-MailNachricht