JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Home

مصر بين ثلاثة أنواع من الإدمان: المخدرات والخمر والترند



د. أحمد الكاشف 


في الوقت الذي يخوض فيه العالم سباقًا نحو التنمية والتقدم وبناء الإنسان، تواجه مجتمعاتنا العربية خطرًا متصاعدًا لا يقل خطورة عن الأزمات الاقتصادية أو التحديات السياسية، بل ربما يفوقها تأثيرًا على المدى البعيد، لأنه يستهدف العقل والوعي والقيم بشكل مباشر. نحن اليوم أمام ثلاثة أنواع من الإدمان أصبحت تضرب المجتمع بقوة: إدمان المخدرات، وإدمان الخمر، وإدمان “الترند”، وهي أزمات مختلفة في الشكل لكنها تتشابه في النتيجة، حيث تؤدي جميعها إلى تغييب الوعي، وإضعاف الإنتاج، وتآكل الهوية الأخلاقية والاجتماعية للمجتمع.


المخدرات لم تعد مجرد ظاهرة فردية تخص فئة محدودة، بل تحولت إلى تجارة ضخمة تستهدف الشباب بصورة مباشرة، مستغلة الضغوط الاقتصادية والنفسية والاجتماعية التي يعيشها البعض. الأخطر من انتشار المخدرات هو انتشار ثقافة تبريرها، فأصبح البعض يصفها بأنها “وسيلة للهروب من الواقع”، بينما يروج آخرون لفكرة أنها “تساعد على تحمل ضغوط العمل”، ووصل الأمر إلى محاولة إضفاء طابع طبيعي عليها باعتبار بعضها مستخرجًا من نباتات أو مواد طبيعية، وكأن الطبيعة تبرر تدمير العقل والجسد.


الدولة المصرية أدركت منذ سنوات خطورة هذه الظاهرة، لذلك جاء قانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960 وتعديلاته بعقوبات صارمة تصل في بعض جرائم الاتجار والترويج إلى السجن المؤبد والإعدام، إدراكًا لحجم الخطر الذي تمثله تلك المواد على الأمن القومي والمجتمعي. ورغم ذلك، فإن الواقع يؤكد أن المواجهة الأمنية وحدها ليست كافية، لأن الأزمة الحقيقية تبدأ من غياب الوعي وضعف الاحتواء الأسري وانتشار الفراغ النفسي والفكري بين الشباب. تأثير المخدرات لا يتوقف عند حدود المدمن فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد والمجتمع بالكامل، فالدولة تتحمل مليارات الجنيهات سنويًا في العلاج والرعاية الأمنية والصحية، بينما يخسر سوق العمل طاقات شابة كان من الممكن أن تكون عنصرًا منتجًا في بناء الوطن. كما ترتبط المخدرات بارتفاع معدلات الجريمة والعنف الأسري وحوادث الطرق والانهيار الاجتماعي في مناطق كاملة أصبحت تعاني من فقدان شبابها بصورة مرعبة.


أما الخمر، فرغم أنه يخضع لقوانين وتنظيمات تسمح ببيعه وتداوله في أماكن محددة وفق ضوابط قانونية، فإن خطورته المجتمعية لا يمكن إنكارها. المجتمع المصري بطبيعته يمتلك روابط دينية وأخلاقية واجتماعية كانت تاريخيًا تمثل حاجزًا قويًا أمام انتشار ثقافة تعاطي الخمور، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت محاولات لتقديمها باعتبارها جزءًا من “التحضر” أو “الحرية الشخصية”، في تجاهل تام لما تسببه من آثار نفسية واجتماعية وصحية خطيرة. كثير من الجرائم وحوادث العنف الأسري وحوادث الطرق ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بتعاطي الكحول، كما أن تأثيرها الاقتصادي لا يقتصر على الإنفاق الفردي فقط، بل يمتد إلى انخفاض الإنتاجية وزيادة الأعباء الصحية والاجتماعية على الدولة والمجتمع.


لكن الأزمة الأخطر والأكثر انتشارًا اليوم ربما تكون ذلك النوع الحديث من الإدمان الذي لا يحتاج إلى مواد مخدرة أو زجاجات خمر، بل يحتاج فقط إلى هاتف محمول وشبكة إنترنت. إنه إدمان “الترند”، ذلك المرض الاجتماعي الجديد الذي جعل الشهرة السريعة هدفًا عند البعض بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو الأخلاق أو القيم أو صورة المجتمع بأكمله. أصبحت مشاهد العنف والانحلال الأخلاقي والفضائح والسلوكيات الشاذة تنتشر في ساعات قليلة وتحصد ملايين المشاهدات، بينما يتم تجاهل النماذج الإيجابية والقصص الملهمة والنجاحات الحقيقية لأنها ببساطة لا تحقق نفس مستوى الإثارة.


خطورة “الترند” لا تكمن فقط في المحتوى الهابط، بل في تأثيره على تشكيل وعي الأجيال الجديدة، حيث أصبح البعض يقيس النجاح بعدد المشاهدات وليس بحجم الإنجاز أو القيمة الحقيقية. كما أن هذا النوع من المحتوى يساهم في تصدير صورة سلبية عن المجتمع المصري أمام العالم، رغم أن مصر تمتلك من الحضارة والتاريخ والسياحة والثقافة ما يجعلها واحدة من أعظم دول العالم. لا يمكن أن نتحدث عن تحسين صورة الدولة أو تنشيط السياحة أو جذب الاستثمارات بينما تمتلئ منصات التواصل يوميًا بمحتويات تعكس الفوضى والانهيار الأخلاقي وتقدمها للعالم باعتبارها صورة المجتمع الحقيقية.


الأزمات الثلاث تشترك في أسباب متقاربة؛ غياب الوعي، وضعف التربية، والانهيار الثقافي، والضغوط الاقتصادية، والفراغ النفسي، وتراجع دور المؤسسات التعليمية والثقافية، بالإضافة إلى التأثير الضخم لوسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت قادرة على تحويل أي سلوك سلبي إلى ظاهرة جماهيرية خلال ساعات. كما أن بعض الشباب أصبح يرى في الهروب وسيلة أسهل من المواجهة، سواء كان هذا الهروب عبر المخدرات أو الخمر أو حتى الغرق في عالم الترند والمحتوى الهابط.


مواجهة هذه الكوارث لا يمكن أن تعتمد على الحلول الأمنية وحدها، رغم أهميتها، بل تحتاج إلى مشروع وطني متكامل يبدأ من بناء الإنسان. الدولة مطالبة بتكثيف حملات التوعية داخل المدارس والجامعات ومواقع العمل، وتوفير دعم نفسي حقيقي للشباب، وتشديد الرقابة على مروجي المخدرات والمحتوى الهابط، مع تطوير الخطاب الإعلامي والثقافي ليقدم نماذج إيجابية تستحق أن يقتدي بها الشباب. كما يجب دعم مراكز العلاج والتأهيل، والتعامل مع المدمن باعتباره مريضًا يحتاج إلى الاحتواء والعلاج، وليس مجرد مجرم.


وفي المقابل، يتحمل المجتمع مسؤولية لا تقل أهمية عن دور الدولة. الأسرة يجب أن تستعيد دورها الحقيقي في التربية والمتابعة والحوار مع الأبناء، والإعلام مطالب بالتوقف عن تحويل الانحراف إلى مادة للترفيه، والمؤثرون على مواقع التواصل يتحملون مسؤولية أخلاقية تجاه ما يقدمونه للملايين يوميًا. كما أن المجتمع نفسه مطالب بالتوقف عن تبرير الخطأ أو التعامل معه باعتباره أمرًا طبيعيًا أو “حرية شخصية”، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يعتاد على الانهيار حتى يتوقف عن مقاومته.


إن مستقبل الأوطان لا يُهدد فقط بالحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل يهدده أيضًا انهيار الوعي وضياع القيم وتدمير الإنسان من الداخل. والمجتمع الذي يسمح للمخدرات والخمر والترند الهابط بأن تتحكم في وعي شبابه، هو مجتمع يخسر ببطء أهم ما يملكه: الإنسان.

NameEmailMessage