بقلم: أسماء عبده
في بيتٍ واحد، يجلس الجميع متصلين بالعالم، ومنفصلين عن بعضهم تمامًا. الأب يطالع مقالًا على هاتف يمسكه ببعد ذراع كامل، ويهز رأسه أسفًا على “جيل بايظ”، والأم تشاهد مقطع فيديو لـ “خبير علاقات” يشرح كيف تتعامل مع مراهقي الـ Gen Z. أما الابن، فيرتدي سماعاته العازلة للصوت، ويضحك على “ميم” يسخر من عقلية الـ Boomers. بشر تحت سقف واحد، لكن كلًّا منهم يعيش داخل قارة نفسية منفصلة. الكل يشخّص الآخر، والكل يمتلك “كتالوجًا نفسيًّا معلبًا” يفسّر به عيوب الطرف المقابل. لقد نجحت السوشيال ميديا والماركتينج الحديث في تنفيذ واحدة من أخطر الخدع النفسية في عصرنا: إقناعنا بأن الأسرة الواحدة ليست عائلة، بل “شعوبًا وقبائل مختلفة” يستحيل بينها التفاهم.
في الأصل، كانت تصنيفات الأجيال مثل Gen Z، Millennials، Boomers مجرد أدوات إحصائية تستخدمها الشركات لتعرف كيف تبيع الأحذية والهواتف ومشروبات الطاقة لكل فئة عمرية، لكننا، وبمنتهى السذاجة، حوّلنا هذه التصنيفات التجارية إلى “حقائق نفسية مقدسة”. وهنا بدأت الكارثة؛ فالخطورة ليست في وجود اختلافات بين الأجيال، فالاختلاف طبيعي وقديم قدم البشر، الخطورة الحقيقية هي “الاستسلام العاطفي”. الأب لم يعد يرى ابنه شابًا مرتبكًا يحتاج للاحتواء، بل يراه “Gen Z مدلّع وخربان كده كده”، فيغسل يده من محاولة الفهم، ويهرب إلى جروبات الواتساب والأخبار والسياسة. والابن لم يعد يرى في والده رجلًا مثقلاً بالخوف والمسؤوليات وضغوط الحياة، بل يراه “Boomer توكسيك ونرجسي ومتحكم”، فيختبئ داخل سماعاته، ويغلق الباب على نفسه وعلى العالم. والأم لم تعد ترى ابنتها مراهقة ضائعة تحتاج لقرب واحتواء، بل أصبحت تسأل الإنترنت كل يوم: “هل ابنتي شخصية حدية؟ هل ابني سايكوباث؟ هل زوجي نرجسي؟”، وكأن البيوت تحولت فجأة إلى عيادات تشخيص جماعي.
لقد استبدلنا محاولة “الفهم” بمتعة “التصنيف”، والتصنيف هو المقبرة الكبرى لكل المشاعر الإنسانية الحية؛ لأنك حين تصف إنسانًا بأنه نرجسي أو حدّي أو Boomer أو Gen Z، فأنت تتوقف تلقائيًا عن رؤيته كإنسان له قصة خاصة، وخوف خاص، وألم لا يشبه أحدًا. زمان، كان اختلاف الأجيال يخلق الشجار، والشجار —رغم إزعاجه— كان شكلًا من أشكال التواصل؛ فيه حرارة، وفيه محاولة للإقناع، وفيه اعتراف بوجود الآخر. أما اليوم، فقد حلّ مكان الشجار شيء أكثر رعبًا: “الخرس الأسري الشيك”؛ حيث ينسحب كل طرف إلى شاشته في صمت بارد، وكأن الأسرة لم تعد مكانًا للحوار، بل محطة شحن مؤقتة للأجهزة والبشر. نفس البيت، نفس المائدة، نفس الجدران، لكن الأرواح بعيدة بشكل مرعب. التكنولوجيا قرّبت المسافات بين القارات، لكنها أحيانًا وسّعت المسافة بين الكنبة والكنبة المقابلة لها في نفس الصالة.
نحن نعيش عصرًا يعرف فيه الأبناء كيف يستخدمون الذكاء الاصطناعي، لكنهم لا يعرفون كيف يعتذرون. ويعرف فيه الآباء كيف يدفعون فواتير الإنترنت، لكنهم نسوا كيف يسألون أبناءهم: “إنت كويس فعلًا؟”. البيوت الحديثة أصبحت مليئة بأشياء ذكية من هواتف ذكية، وساعات ذكية، وتلفزيونات ذكية، لكنها تفتقد أحيانًا أبسط شيء: قلوب تعرف كيف تُصغي. السوشيال ميديا لم تصنع فقط تطبيقات، بل صنعت “هويات بديلة”؛ أصبح الشاب يشعر أن أصدقاءه على “ديسكورد” أو “ريديت” يفهمونه أكثر من أسرته، ويشعر أن الغرباء الذين يشاركهم “الميمز” والاهتمامات أقرب إليه من أمه التي تطهو له الطعام كل يوم. وهنا حدث التحول الأخطر: لم تعد الأسرة هي المكان الأول للانتماء النفسي، ولقد أصبحت البيوت أشبه بعدة غرف مغلقة تشترك في نفس الشقة. لا أحد يشرح نفسه، ولا أحد يسمع فعلًا، وكل طرف يختبئ خلف Label جاهز يعفيه من أي مجهود حقيقي لإصلاح العلاقة. تصنيفات الأجيال مريحة جدًا، لأنها تعفينا من المجهود الأصعب: محاولة فهم شخص لا يشبهنا.
دعونا نغسل عقولنا من هذا الوهم؛ نحن لا نعاني من “اختلاف أجيال”، بل من “انقطاع إنساني”. الحب لا يملك جيلًا، والخوف لا يحتاج إلى ترند لكي يُفهم، والوحدة لا تختلف بين شخص وُلد في الستينيات أو بعد الألفية. أخطر ما فعلته الترندات بنا أنها أقنعتنا أن الاختلاف يعني الاستحالة، بينما كل علاقة إنسانية حقيقية في التاريخ قامت أصلًا على محاولة عبور هذا الاختلاف. الأم التي تقول بحزن: “أنا مبقتش فاهمة بنتي”، ربما لم تجلس معها جلسة إنصات حقيقية واحدة منذ شهور. والابن الذي يرى والده “قديمًا”، نسي أن هذا الرجل القديم يحترق يوميًا ليؤمن له الحياة التي يهرب منه بها. وأخطر ما حدث، أن بعض الناس لم يعودوا يعرفون من هم خارج الإنترنت أصلًا، فإذا أُغلقت الشاشة، ظهر الفراغ.
يا سكان البيوت الصامتة، انزلوا قليلًا من أبراج التصنيفات، وانزعوا عن وجوهكم نظارات Gen Z و“جيل قديم” وMillennials وBoomers. فالإنترنت لن يربّت على كتفك عندما تنكسر، ومجتمعات العالم الرقمي لن تنقذك في ليلة مرض، ولا في خسارة، ولا في لحظة انهيار حقيقية. وربما أخطر أنواع الوحدة أن تشعر أنك غريب داخل المكان الذي يُفترض أنه وطنك الأول. توقفوا عن معاملة بعضكم كأنكم “عينات اجتماعية” في تقرير تسويقي، واجلسوا معًا كبشر؛ بشر يخطئون، ويقسون، ويخافون، ويحاولون الحب بطريقتهم الناقصة. العائلة التي تتحول إلى “أجيال متحاربة”، تنتهي غالبًا كـ “مجموعة من الغرباء” تجمعهم الصدفة تحت سقف واحد، والبيوت لم تُبنَ لتكون محطات قطار، بل بُنيت لتكون سكنًا.
#مغسلة_العقول
#سجن_الوهم
#GenZ
#الوهم
#الوحده
