JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Accueil

السند الحقيقي



بقلم

د. أسما الصيفي 


ليس أثقل على الإنسان من أن يعلّق نجاته على يدٍ لا يملكها، أو قلبٍ قد يقترب اليوم ويغيب غدًا . وهذا المعنى يتجلّى بوضوحٍ أشد في حياة ذوي الإعاقة ؛ حيث يتعلمون ، ربما أسرع من غيرهم ، فإن الانتظار الطويل لمن ينقذ أو يُعين قد يستهلك العمر دون أن يُغيّر الواقع .

وإن الحقيقة التي يصلون إليها ، بعد تجارب متراكمة ، ولهذا يكون أقرب سندٍ إليهم هو الله عز و جل ثم أنفسهم، وأن أقوى بداية تكون من الداخل لا من الخارج . فهم وحدهم من يعرفون تفاصيل ما يعيشون ، وحدهم من لمسوا الألم كما هو ، وشهدوا لحظات الضعف دون شهود . لذلك ، لا يمكن لأحدٍ أن يفهمهم تمام الفهم ، ولا أن يحمل عنهم الطريق كاملاً .

ليس في هذا قسوة ، بل وضوح . فالاعتماد على النفس ليس عزلة ، بل قوة ، وليس رفضًا للآخرين ، بل ترتيبٌ للأولويات . حين يُدرك الإنسان من ذوي الإعاقة أنه قادر على أن يكون سندًا لنفسه ، يتحرر من انتظار ما قد لا يأتي ، ويبدأ في بناء حياةٍ لا تقوم على الشفقة ، بل على الكرامة .

فإنهم حين يواجهون أنفسهم بصدق ، ويتصالحون مع واقعهم ، ويحتضنون نقاط ضعفهم قبل قوتهم ، ويكتشفون أنهم يملكون من القدرة ما يكفي للنهوض مرةً بعد مرة . وما يأتيهم من دعمٍ بعد ذلك ، إن جاء ، يصبح إضافةً لا ضرورة ، ومساندةً لا شرطًا للبقاء .

وفي هذا المسار ، يزداد ارتباطهم بالله عمقًا ، لأنهم يدركون أن السند الحقيقي لا يزول ، وأن الطمأنينة التي تُبنى على القرب منه لا تهتز بتقلّب الناس . فيجدون في هذا القرب قوةً تعينهم على الاستمرار ، وسكينةً تُرمّم ما قد يتصدّع في داخلهم .

ولذلك فإن ذوي الإعاقة ليسوا بحاجةٍ إلى من يُنقذهم بقدر ما هم بحاجةٍ إلى أن يؤمنوا بقدرتهم على النجاة . بأن ينهضوا بأنفسهم ، ويُعيدوا بناء ما تهدّم في داخلهم ، وأن يمضوا في حياتهم وهم على يقين بأن قوتهم الحقيقية لا تُمنح من الخارج ، بل تُولد من الداخل .

فمن عرف كيف يكون سندًا لنفسه ، لن يُثقل قلبه بانتظار أحد ، ومن امتلأ من داخله ، لن تُرهقه فراغات الخارج . تلك ليست أنانية ، بل نجاة ، نجاة يعرفها جيدًا من تعلّم أن يقف ، رغم كل شيء ، بثباتٍ فهو لا يعتمد إلا على الله ثم على نفسه .

NomE-mailMessage