JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

انطباعات فنية------- حزين عمر




 هذا العالم الساحر يطغى على ما دونه من الأنشطة البشرية ؛ حتى لو كانت هذه الأنشطة هي المهنة الإنسانية العريقة : الطب ..فينصرف من يمسه الأدب والفن عن هذه المهنة الإنسانية إلى التغلغل في سراديب العالم الساحر ..وقليلون من يحلون معضلة التوازن بين هذه وتلك ..ومنهم الدكتور ثروت صادق ..وهذا هو موضوع مقالتي الأسبوعية ( انطباعات فنية) بجريدة المساء. 

#حزين_عمر 

انطباعات فنية 

         ----------------- حزين عمر 

أطباء ..التهمهم الإبداع!! 

فشلوا في مهنتهم ..باستثناء د.ثروت!! 

------------------------------------------ 

لا نريد أدباء وفنانين؛ نحتاج للأطباء أكثر!! ربما بدا  هذا التصور واقعيا نفعيا مباشرا!! لكن الطبيب نفسه إذا مسته حالة الإبداع : أدبا وفنا ؛ فكأنما مسه الجن!! فلا رجعة له عما استغرقه من حب الأدب شعر ا ونثرا وعشق الفن : تمثيلا وموسيقى وتشكيلا.. ولم يكن مسلكا مستساغا أن نرى (محجوب ثابت) شيخ الأطباء المبدعين في أوائل القرن الماضي ؛ يهمل في عمله وفي عيادته حتى تمتلئ بالحشرات ؛ وتحديدا البراغيث ؛ حتى إن أمير الشعراء أحمد شوقي يكتب قصيدة في ( براغيث محجوب ثابت) !!

ولا يتوقف هذا المس من جنون الإبداع عند الدكتور ثابت ؛ بل "يضرب" طبيبا آخر بعده بسنوات ؛ هو إبراهيم ناجي - شاعر الأطلال - الذي أهمل عمله الطبي كذلك ؛ وتهرأ وضع عيادته التي كان يعالج فيها الفقراء بدون مقابل ويمد بعضهم بالمال!! ثم ينصرف إلى الشعر روحا وعقلا ..ولم ينل حظا منه ماديا ومعنويا - رغم موهبته العالية - إلا بعد أن غنت له كوكب الشرق ام كلثوم (الأطلال) إو  مقاطع منها ..فطار اسمه في الآفاق.

                             نداهة الفن 

وتتوالى أجيال الأطباء الأدباء والفنانين: مصطفى محمود ؛يوسف إدريس؛ عزت ابو عوف ؛ يحيى الفخراني ؛ فؤاد خليل؛ نوال السعداوي..حتى أحدث أجيالهم: باسم يوسف ؛ رضا صالح؛ عزة رشاد؛ محمد ابراهيم طه؛ سامح درويش؛ عبدالحميد محمود؛  حاتم رضوان..ولم يعرف الجمهور أيا منهم طبيبا ؛ بل عرفهم ممثلين وروائيين وشعراء وفنانين .. وربما انصرف أكثرهم عن هذه المهنة الإنسانية إلى "نداهة" الفن والأدب والإبداع بعامة ..ولم تغب تجاربهم الطبية وحجرات العمليات وأدوات التخدير وآلام المرضى عن إبداعهم  ونتاجهم الفني ..فتحولت مهنة الطب لدى أكثرهم من عمل وحرفة إلى مادة خام للإبداع واستقاء التجارب ورسم ملامح الشخوص

.. شخصية طبية واحدة - حسب ظني - هي التي نجحت مهنيا بتفوق ؛ ولم يلتهمها الإبداع ..إنها شخصية الدكتور ثروت صادق : كاتب سيناريو مجيد .. وظف اللحظات الإنسانية الحاسمة في حياة الإنسان/المريض ؛ لإنتاج عمل فني مثل سيناريو فيلم (الرجا عدم التزام الهدوء) ..ولأن طبيعته وإحساسه بكرامته لم يسمح له بالتردد على المنتجين لترويج عمله هذا ؛ فقد اكتفى بأن يطبعه في كتاب ؛ وينشره للقراء لا للمشاهدين. 

" الرجا عدم التزام الهدوء" يرصد ليلة واحدة وأخيرة في حياة الطفلة (قمر) التي  حطت عليها ملمات الدهر ؛ منذ أن أطلت على هذا العالم ..فقد ماتت أمها بعد ولادتها ..وهرب أبوها منها لأنها "بنت" ..بحكم كونه صعيديا من المنيا !! ولو كانت "ولدا" لاحتضنها !! لقد تبرأ منها ؛ ولم تجد حضنا يحتويها إلا لدى جديها لأمها وأخوالها.

                                مفارقات 

فجأة تقع عليها ملمة أخرى ؛ وهي في سنواتها الأولى : سقطت من فوق سطح المنزل !! حملها ذووها إلى المستشفى الرئيس بمدينة المنيا ليلا. وأشارت الأشعات إلى تهتك الكبد ..ولابد من عملية جراحية لانتزاعه بسرعة ؛ بسبب نزيف داخلي ألم  به..وهنا تبدو عقدة العمل بالبحث عن فصيلة دم قمر النادرة.. ولا أحد من أهلها تتوافر له .. فيظهر الوجه الإنساني لمهنة الطب؛ مثمثلا في الدكتور ياسر الذي يسعى لإيجاد حل ..من خلال بنك الدم في المستشفى ؛ فلا يجد ..والكيس الوحيد تم تهريبه !! فيهتدي إلى معلومات البنك عن حاملي تلك الفصيلة : تليفونات بعضهم وعناوين آخرين ..وتحدث مفارقات مؤثرة في التواصل مع هؤلاء الناس ..من إغلاق التليفونات في وجهه وإغلاق الأبواب كذلك ؛ بعد أن ذهب إلى عناوينهم!! 

ومفارقة أخرى عارضة لكنها حاسمة وخطيرة وكاشفة..فقد اعتاد أحد حاملي هذه الفصيلة على التبرع بالدم في المستشفى كل شهرين بانتظام ..وبالتالي قصده الدكتور ياسر ..بعد منتصف الليل..فأخطرته الجارة أنه قد مات ..وذهب في ستين داهية!! 

- لم يا حاجه تسبينه وتلعنينه وقد رحل ؟!! 

- لأنه كان يحمل مرض الإيدز ؛ ويذهب للتبرع بدمه متعمدا !! فأصبح دمه قاتلا للكثيرين!! 

بعد جولات ومفارقات يحصل الدكتور ياسر على المتبرع ..وفي طريقه - ومرافقيه - إلى المستشفى يستوقفهم كمين شرطة !! ويصحبهم إلى القسم في هذا الوقت العصيب ؛ والطفلة مهددة بالموت !! ويضيع الوقت الثمين لإنقاذ الطفلة نزيلة العناية المركزة بانتظار العملية الجراحية.. وفي هذه المشاهد يبدو وجهان مختلفان للشرطة: وجه لا يعبأ  بالبعد الإنساني ووجه آخر أقوى يدرك قيمة العمل الإنساني ؛ ويساعد في إنجازه ؛ ويطلق الدكتور ؛ بل يحثه؛ على سرعة إنقاذ قمر ..لكنها في النهاية تلفظ أنفاسها الأخيرة قبيل عودته ومن معه ..في ظل وجود زملاء له أطباء وآخرين إداريين بالمستشفى معطلين لهذا العمل الإنساني؛ ومتاجرين بآلام البشر!! 

مشروع فيلم مؤثر ؛ وإن خلا  من  (التحبيشة الجماهيرية) التي كان يمكن إضافتها لو تبناه منتج جاد ..لكن هذا ليس زمن المنتجين الجادين ؛ بل التجار الجشعين !!

author-img

journalist

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة