بِقَلَمِ الأَدِيبِ المِصْرِيِّ
د. طَارِق رِضْوَان جُمْعَة
أَنَا الرَّجُلُ الضَّاحِكُ فِي الصُّورَةِ...
لِئَلَّا تَرَوْا دَمْعِي، فَتُطْفِئُوا النُّورَ وَتَقُولُوا: «شُكْرًا... لَا طَاقَةَ لَنَا بِحُزْنٍ جَدِيد».
أَبْتَسِمُ كَمَا يَفْعَلُ المُمَثِّلُ المُتْقِنُ دَوْرَهُ، لَا لِأَنِّي سَعِيدٌ... بَلْ لِأَنَّ الحُزْنَ الطَّوِيلَ يُرْهِقُ المُشَاهِدِينَ.
طَيِّبُ الطِّبَاعِ أَنَا، وَمَا أَرَدْتُ مِنَ الحَيَاةِ إِلَّا شَاهِدًا. لَا مُنْقِذًا، وَلَا بَطَلًا، وَلَا جُمْهُورًا يُصَفِّقُ لِي...
فَقَطْ إِنْسَانًا يَجْلِسُ أَمَامَ رُوحِي دُونَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى سَاعَتِهِ.
كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ البَشَرَ يَمُوتُونَ مِنَ القَسْوَةِ، ثُمَّ اكْتَشَفْتُ أَنَّهُمْ يَمُوتُونَ مِنَ التَّجَاهُلِ.
فَأَقْسَى الجُرُوحِ لَيْسَتْ تِلْكَ الَّتِي تُدْمِي القَلْبَ، بَلْ تِلْكَ الَّتِي تُقْنِعُكَ أَنَّ وُجُودَكَ زَائِدٌ عَنِ الحَاجَةِ.
قَدَّمْتُ نَفْسِي عَلَى طَبَقٍ مِنْ ذَهَبٍ لِكُلِّ مَنْ أَوْهَمَنِي أَنَّهُ يَمْلِكُ مُتَّسَعًا لِفَوْضَايَ الدَّاخِلِيَّةِ.
فَفَتَحْتُ الكِتَابَ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ،
كَشَفْتُ الصَّفَحَاتِ، وَالهَوَامِشَ، وَالخُدُوشَ الَّتِي خَبَّأْتُهَا خَلْفَ النُّكَتِ وَالسُّخْرِيَةِ.
ثُمَّ...
شَرَدَتْ أَعْيُنُهُمْ نَحْوَ الشَّاشَاتِ،
كَأَنَّ رُوحِي إِشْعَارٌ عَابِرٌ يُمْكِنُ تَجَاوُزُهُ بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ.
عِنْدَهَا فَهِمْتُ مَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ صَرَاحَةً: إِنَّ العَالَمَ لَا يُكَافِئُ الطَّيِّبِينَ... بَلْ يَسْتَعْمِلُهُمْ حَتَّى يَفْرَغُوا.
وَفَهِمْتُ اللُّعْبَةَ مُتَأَخِّرًا: لَنْ يَلْتَفِتَ إِلَيَّ أَحَدٌ وَأَنَا هَادِئٌ. لَا بُدَّ أَنْ أُحْدِثَ ضَجِيجًا، لَا بُدَّ أَنْ أَكُونَ خَطَرًا،
فَالبَشَرُ لَا يَرَوْنَ النُّورَ الهَادِئَ...
إِنَّهُمْ يَرْكُضُونَ فَقَطْ نَحْوَ الحَرَائِقِ.
فَكُنْتُ... الجُوكَرَ.
وَالجُوكَرُ لَيْسَ شِرِّيرًا كَمَا تَظُنُّونَ،
بَلْ إِنْسَانٌ فَشِلَ فِي الحُصُولِ عَلَى الاِعْتِرَافِ العَاطِفِيِّ.
إِنْسَانٌ ظَلَّ يَطْرُقُ الأَبْوَابَ بِالأَدَبِ حَتَّى تَعِبَ، فَقَرَّرَ أَنْ يَكْسِرَهَا بِالصَّخَبِ.
لَمْ أَكُنْ أَبْحَثُ عَنِ السُّلْطَةِ، بَلْ عَنْ شَاهِدٍ. فَبَعْضُ البَشَرِ لَا يَتَحَوَّلُونَ إِلَى وَحُوشٍ حُبًّا فِي الاِفْتِرَاسِ،
بَلْ يَتَحَوَّلُونَ حِينَ يَفْشَلُونَ فِي أَنْ يَكُونُوا مَرْئِيِّينَ.
وَالجُوكَرُ فِي الوَرَقِ وَرَقَةٌ بِلَا هُوِيَّةٍ، تُغَيِّرُ القَوَانِينَ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِدْ لَهَا مَكَانًا بَيْنَ القَوَاعِدِ. وَالجُوكَرُ فِي الحِكَايَاتِ مُهَرِّجٌ يُضْحِكُ الجَمِيعَ، بَيْنَمَا يَنْزِفُ وَحْدَهُ خَلْفَ السِّتَارِ.
أَمَّا الجُوكَرُ فِي حَيَاتِي أَنَا... فَهُوَ فِيلَسُوفُ الأَلَمِ، ذٰلِكَ الَّذِي اكْتَشَفَ أَنَّ البَشَرَ يَحْتَمِلُونَ الكَذِبَ أَكْثَرَ مِنِ احْتِمَالِهِمْ لِلصِّدْقِ، وَيَخَافُونَ مِنَ الحُزْنِ الحَقِيقِيِّ كَأَنَّهُ مَرَضٌ مُعْدٍ.
وَلَوْ كَانَ بِيَدِي، لَمَا حَمَلْتُ مُسَدَّسًا،
فَالرَّصَاصُ لَا يُصْلِحُ رُوحًا، وَلَا يُعِيدُ طِفْلًا، وَلَا يُرَبِّتُ عَلَى قَلْبِ أُمٍّ ثَكْلَى.
كُنْتُ سَأَحْمِلُ عَصًا مِنَ السُّخْرِيَةِ المُقَدَّسَةِ، عَصًا أُوقِظُ بِهَا الأَرْضَ الَّتِي اعْتَادَتِ الوَجَعَ حَتَّى ظَنَّتْهُ قَدَرًا، وَأَهْوِي بِهَا عَلَى رُؤُوسِ المُسْتَوْدَعَاتِ الَّتِي تُخَزِّنُ الحُزْنَ ثُمَّ تُسَمِّيهِ «حِكْمَةَ الحَيَاةِ».
عَصًا أَرُدُّ بِهَا حَقَّ الطُّفُولَةِ المَسْرُوقَةِ، وَأُرَبِّتُ بِهَا عَلَى كَتِفِ الأَرْمَلَةِ الَّتِي قَالُوا لَهَا: «عَوَّضَكِ اللهُ»... ثُمَّ تَرَكُوهَا وَحِيدَةً مَعَ البَرْدِ وَالخَوْفِ وَالفَوَاتِيرِ وَالفَقْدِ.
لَكِنَّ الأَقْسَى مِنَ الوَحْدَةِ... هُوَ الأَمَلُ المُتَأَخِّرُ. أَنْ تَجِدَ أَخِيرًا ذٰلِكَ الشَّخْصَ الَّذِي يَفْهَمُكَ، بَعْدَ أَنْ تُنْهِكَ رُوحَكَ فِي التَّظَاهُرِ بِأَنَّكَ بِخَيْرٍ.
أَنْ يَأْتِي الحَنَانُ بَعْدَمَا تَتَعَلَّمُ الشَّكَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَنْ يَصِلَ الأَمَانُ
بَعْدَمَا تُصْبِحُ النَّجَاةُ نَفْسَهَا شَيْئًا يُخِيفُكَ.
حِينَهَا...
سَأَتَعَلَّقُ بِالحَيَاةِ كَالغَرِيقِ، لَا حُبًّا فِيهَا، بَلْ خَوْفًا مِنْ أَنْ أَفْقِدَ أَوَّلَ شَيْءٍ حَقِيقِيٍّ وَصَلَ مُتَأَخِّرًا.
وَرُبَّمَا سَأَمُوتُ...
لِتَكْتَمِلَ الدَّائِرَةُ السَّاخِرَةُ: أَنْ يَصِلَ الفَهْمُ بَعْدَ أَنْ يَنْتَهِي الكَلَامُ.
فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي يَوْمًا أَبْتَسِمُ فِي صُورَةٍ جَدِيدَةٍ... فَلَا تُصَدِّقُوا أَنَّنِي تَعَافَيْتُ.
فَبَعْضُ الاِبْتِسَامَاتِ لَيْسَتْ فَرَحًا،
بَلْ طَرِيقَةٌ أَنِيقَةٌ لِإِخْفَاءِ الاِنْهِيَارِ.
وَأَنَا...
تَعَلَّمْتُ ذٰلِكَ بِسُرْعَةٍ مُرْعِبَةٍ.
