بقلم د/ إبراهيم الطير
تحت قباب المحكمة وقف الأب مطأطأ الرأس لا لأنه مذنب ولكن لأن من يقفون أمامه لم يكونوا غرباء بل كانوا زوجته وأبناءه الذين أفنى عمره كله من أجلهم
وقف ينظر إلى الوجوه التي كانت يوما مصدر سعادته فإذا بها اليوم خصوما يحمل كل منهم دعوى وكأن سنوات الحب والعطاء تحولت إلى أوراق وقضايا وأرقام
تذكر أول راتب تقاضاه وكيف عاد به فرحا ليشتري احتياجات البيت
تذكر الليالي التي سهر فيها بجوار أبنائه وهم مرضى
تذكر الأيام التي حرم فيها نفسه من أبسط أحلامه حتى يوفر لهم حياة كريمة وتعليما ومستقبلا أفضل
لم يكن ينتظر منهم جزاء ولا شكورا كان يكفيه أن يرى في عيونهم الامتنان وأن يشعر بأن تعبه لم يذهب هباء
كبر الأبناء وتبدلت القلوب وضاقت النفوس وأصبح الأب الذي كان السند عبئا ثقيلا وتحول البيت الذي بناه حجرا فوق حجر إلى ساحة نزاع وانتهى به الأمر واقفا أمام القاضي يستمع إلى كلمات قاسية واتهامات من أقرب الناس إلى قلبه
وأثناء نظر الجلسة وبينما كانت الكلمات تتردد في أرجاء القاعة شعر الأب بأن قلبه لم يعد يحتمل
نظر إلى زوجته وأبنائه نظرة أخيرة امتزج فيها الألم بالحسرة وكأنها تقول هذا هو جزاء العمر كله
ثم سقط في قاعة المحكمة أمام الجميع وفاضت روحه إلى بارئها بعدما أنهكه القهر وأثقل صدره الخذلان
مات الأب داخل المحكمة وهو يستمع إلى خصومة رفعتها أسرته ضده وكأن قلبه اختار أن يتوقف في اللحظة التي أدرك فيها أن أقرب الناس إليه لم يعودوا يشعرون بحجم ما قدمه لهم
كم من أب وأم يعيشان بيننا بقلوب مثقلة بالجراح يبتسمان في وجوه أبنائهما بينما يخفون ألما لا يعلم به إلا الله
رحم الله كل أب أنهكه التعب وكسر قلبه العقوق ومات وفي نفسه أمنية واحدة أن يرى أبناءه متحابين وأن يجد في آخر عمره كلمة طيبة ولمسة وفاء ودعوة صادقة من أبنائه الذين عاش عمره كله من أجلهم
