د.م. مدحت يوسف
تعد الأسرة النواة الأولى لبناء المجتمعات وهي اللبنة الأساسية في تشكيل الوعي الإنساني وغرس القيم وبناء الشخصية السليمة التي تنعكس على المجتمع كله قوة أو ضعفاً استقراراً أو اضطراباً .
وفي ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة وتزايد التحديات أصبحت القضايا الأسرية محور اهتمام مجتمعي وتشريعي واسع لما لها من أثر مباشر على استقرار المجتمعات وأمنها الاجتماعي ولا شك أن الحياة الزوجية قد تمر بخلافات قد تصل في بعض الحالات إلى الانفصال وهو أمر واقع في حياة البشر .
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في حدوث الانفصال بل في كيفية إدارة ما بعده بما يحقق التوازن ويحمي الأبناء ويصون حقوق جميع الأطراف ويمنع تحول الخلاف إلى صراع ممتد يؤثر على المجتمع بأكمله .
إن الأبناء يحتاجون حاجة أساسية ومتوازنة إلى الأب والأم معاً ولا يمكن الاستغناء عن أي منهما في بناء شخصيتهم النفسية والعاطفية والاجتماعية فالأب يمثل عنصر الحماية والتوجيه والدعم بينما تمثل الأم عنصر الرعاية والاحتواء والحنان واكتمال هذا التوازن هو الأساس في بناء إنسان سوي قادر على التفاعل الإيجابي مع الحياة
وقد جاءت الشريعة الإسلامية والأديان السماوية بتصور متكامل ومنهجي للعلاقة داخل الأسرة في جميع حالاتها سواء في الاستقرار أو في الخلاف حيث وضعت ضوابط واضحة تنظم العلاقة بين الزوجين والأبناء وتحدد الحقوق والواجبات بما يحقق العدل والرحمة ويحفظ كيان الأسرة من التفكك ويصون حقوق الأبناء في جميع المراحل
ففي حال الاستقرار الأسري أكدت الشريعة على المودة والرحمة وحسن المعاشرة والتعاون على تربية الأبناء وتوفير بيئة آمنة ومستقرة لهم وفي حال الخلاف وضعت ضوابط تمنع الظلم وتؤكد على استمرار المسؤولية الأبوية والأمومية تجاه الأبناء وعدم تحميلهم تبعات النزاع بين الوالدين لأنهم أمانة مشتركة لا يجوز التفريط فيها .
وفي هذا السياق فإن التشريعات القانونية تأتي كضرورة لضبط السلوك العام ومحاسبة المقصر في أداء واجباته تجاه أسرته وخاصة بعد الانفصال الزوجي حيث قد تظهر حالات تقصير أو إهمال تستوجب وجود نظام قانوني عادل يضمن حماية الحقوق وردع أي تجاوز .
غير أن هذه التشريعات لا تأتي بالأساس لتوضيح العلاقة من حيث الواجبات والحقوق بين أفراد الأسرة لأن هذه المبادئ قد نظمتها بالفعل الأديان السماوية والشريعة الإسلامية التي أرست قواعد واضحة للعلاقة الأسرية القائمة على المسؤولية والعدل والرحمة والتكامل .
ومن هنا يتضح أن التوازن الأسري ليس خياراً اجتماعياً فقط بل هو مبدأ إنساني وتشريعي وأخلاقي هدفه الأول حماية الإنسان وبناء مجتمع متماسك قائم على العدل والرحمة .
إن تحويل القضايا الأسرية إلى ساحة صراع بين الأطراف ينعكس سلباً على الأبناء الذين لا ذنب لهم في هذا الخلاف ويجعلهم الضحية الأولى لاضطراب العلاقة بين الوالدين كما أن آثار هذا الاضطراب قد تمتد إلى المجتمع بأكمله وليس إلى الأسرة وحدها .
كما أن الخلافات حول التشريعات الأسرية بين مؤيد ومعارض أمر طبيعي في أي مجتمع يسعى إلى التطوير غير أن جوهر هذه الخلافات يجب أن يبقى مرتبطاً بالمصلحة العليا وهي حماية الأبناء وتحقيق استقرار المجتمع بعيداً عن الانحياز لأي طرف .
إن المجتمع القوي لا يبنى على تغليب طرف على آخر بل على تحقيق العدالة والتوازن وضمان حقوق الجميع وفي مقدمتهم الأبناء باعتبارهم الثروة الحقيقية للمستقبل ومسؤولية الجميع دون استثناء .
وعليه فإن التشريعات الأسرية العادلة يجب أن تنطلق من رؤية شاملة تجعل الأبناء محور الاهتمام وتضمن استمرار العلاقة التربوية والإنسانية مع الأب والأم معاً في إطار يحفظ الاستقرار ويمنع الصراع .
إن قضية الأسرة ليست قضية فردية بل هي قضية مجتمع بأكمله فكل خلل في التوازن الأسري ينعكس على الأمن الاجتماعي والتنمية والاستقرار ومن هنا فإن بناء تشريعات عادلة ومتوازنة يمثل استثماراً مباشراً في بناء مجتمع قوي وآمن ومستقر .
وفي النهاية فإن استقرار الأسرة هو أساس استقرار المجتمع والتوازن في العلاقات الأسرية هو الطريق إلى أجيال أكثر وعياً وقدرة على البناء والعطاء وحماية الأبناء هي البوصلة التي يجب أن توجه كل تشريع وكل قرار وكل رؤية مستقبلية لتحقيق مجتمع أكثر أمناً وتماسكاً واستدامة .
