JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

صمت الحرف وصخب المعرفة(بين الرداء و الجوهر)

 

 
 
ثمةَ فرقٌ بين مَن يحمل القليلَ ويُحسن تقديمه، ومَن يحمل الكثيرَ ويُسيء عرضه.
الأدبُ رداءٌ رفيع، يستر ما شحّ من المعرفة، ويُلبس الفكرةَ البسيطةَ ثوبًا يليق بها في المجالس. أما العلمُ وحده، حين يُجرَّد من الأدب، فلا يجد ما يُخفي به جفاءه؛ يقف عاريًا أمام الناس، فيهابونه لا يُحبّونه، ويبتعدون عنه لا يقتربون منه.
وأشدُّ الخسارةِ على الإنسان أن يفقدهما معًا، فيُصبح كصحراءٍ لا ظلَّ فيها ولا ماء، لا جمالَ يُبهج ولا عمقَ يُغني.
غير أنَّ من أُوتيَ الاثنين جميعًا، فقد أُوتيَ ثروةً لا تُنهَب، وكنزًا لا يبلى؛ يُحسن القولَ فيُصدَّق، ويُحسن المعرفةَ فيُتَّبع، ويمشي بين الناس كمن يحمل في يده نورًا في ليلٍ بهيم.
فاجمعهما ما استطعتَ، ولا تقنع بأحدهما.
*الأدب يستر قليل العلم، و العلم لا يستر قليل الأدب، و فقدهما عراء، و جمعهما ثراء
في الأدب والعلم وما بينهما من حياة
أولًا: الأدب.. الرداء الذي يصنع الملوك
الأدبُ ليس زينةً تُضاف إلى الكلام كما تُضاف الحليةُ إلى الثوب، بل هو الطريقةُ التي يتنفسُ بها الفكرُ في الهواء الإنساني. حين يملك المرءُ من العلم قليلًا، جاء الأدبُ فأخذ بيده، ولبّسه ما يليق، وأجلسه في الصدارة كأنه صاحبُ أعرق المكتبات وأعمق التجارب. ليس لأنه كذَّب أو تزيَّد، بل لأنه أحسنَ التقديم، فصار القليلُ في يده كثيرًا، والبسيطُ على لسانه عميقًا.
والأدبُ في جوهره ليس فنَّ الكلام وحسب، بل هو فنُّ الإنسان مع الإنسان؛ كيف يدخل إلى قلبه دون أن يكسر بابه، وكيف يُقنعه دون أن يُشعره بالهزيمة، وكيف يختلف معه دون أن يجعله عدوًا.
ثانيًا: العلم بلا أدب.. جبلٌ لا طريق إليه
والعلمُ حين يُجرَّد من الأدب لا يصيرُ ضعيفًا، بل يصيرُ وحيدًا. يقف في الميدان شامخًا كجبل، لكن الناسَ ينظرون إليه من بعيد ولا يقتربون؛ ليس لأنهم يحتقرونه، بل لأنهم لا يجدون فيه دفئًا يدعوهم إلى الجلوس.
المعرفةُ الغليظةُ كالدواء المرّ، نافعةٌ لكن أحدًا لا يتجرّعها طوعًا. وصاحبها يتعجّب من نُفور الناس عنه، ولا يدري أن الحقيقةَ لا تكفي وحدها، وأن الصواب أحيانًا يحتاج إلى إذنٍ كي يدخل القلوب، وذلك الإذنُ هو الأدب.
العلمُ بلا أدبٍ كشمسٍ بلا غيمة؛ تعرف أنها تُضيء، لكنك لا تستطيع أن تُحدّق فيها طويلًا.
ثالثًا: فقدانهما معًا.. العراء الذي لا تراه المرايا
أما أن يفقد المرءُ الأدبَ والعلمَ معًا، فتلك مصيبةٌ من نوعٍ خاص؛ لأن صاحبها في الغالب لا يعرف أنه يفتقرهما. يتكلم فلا يُحسن، ويجهل فلا يسأل، ويمر على الحياة كمن يمر على كتابٍ عظيم دون أن يفتحه، بل دون أن يعلم أنه كتاب.
هذا العراءُ الحقيقي؛ ليس فقرُ الجيب، بل فقرُ الداخل. أن تكون في مجلسٍ ولا تُضيف، وفي حديثٍ ولا تُثري، وفي حياةٍ كاملة ولا تترك فيها أثرًا يدلّ على أنك مررت.
رابعًا: جمعهما.. الثراء الذي لا تأكله السنون
ومن أُوتيَ الأدبَ والعلمَ معًا، فقد أُوتيَ ما لا يُصادَر ولا يُورَّث إلا بالتعلم. يحمل في عقله خريطةَ الأشياء، وفي لسانه مفاتيحَ القلوب. يعرف ما يقول، ويُحسن كيف يقوله، فلا تسبقه كلمةٌ تُخجله، ولا يقفُ أمام موقفٍ أعزل.
هذا الثراءُ لا تُودَعُ في البنوك، ولا يُقدَّر بالأرقام، لكنه يظهر في كل حديث، وفي كل موقف، وفي كل نظرة تقول بغير كلام: هذا إنسانٌ اكتمل.
العلمُ يُعلّمك ما العالَم، والأدبُ يُعلّمك كيف تعيش فيه.
فمن جمعهما لم يكن ضيفًا على هذه الحياة، بل كان من أهلها.
أبو سلمى
مصطفى حدادي.

author-img

JOURNALEST

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة