JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Startseite

مفتاحُ الغُرفةِ السابعة



بقلم:  د. جمال جبارة

مكتب الكويت


كانت الليلةُ ساكنةً، ساكنةً بشكلٍ يُشبهُ الهدوءَ الذي يسبقُ الزلزال. وضعتُ حقيبتي الصغيرةَ بجانب الباب، ألقيتُ نظرةً أخيرةً على الممرِ الطويل الذي شهدَ انكساراتي، وقررتُ في تلك اللحظة: "سأرحلُ بصمت".


لم يكن الرحيلُ هروباً، بل كان محاولةً أخيرةً لاستعادةِ "أنا" التي ضاعت في دهاليزِ مبرراتهم. أغلقتُ البابَ خلفي، وكان الصوتُ مكتوماً، كأنه يُسدل الستارَ على حكايةٍ استنزفت من دمي وعمري سنواتٍ طوال. مشيتُ بخطواتٍ خفيفة، ليس خوفاً من أن يسمعني أحد، بل خشيةً أن أسمعَ أنا صوتَ قلبي وهو يتوسلُ للعودة.


مرَّت الشهور، وأصبحتُ شخصاً آخر. لم أعد ذلك الذي ينتظرُ اعتذاراً، أو يترقبُ اتصالاً. تعلَّمتُ أنَّ الصمتَ هو اللغةُ الوحيدةُ التي لا يمكنُ تزييفها.


ولكن، ذاتَ مساءٍ بارد، وبينما كنتُ أجلسُ في شرفتي المطلةِ على المجهول، وقعت عيني على شيءٍ جعلَ دمي يتجمدُ في عروقي. وجدتُ "مظروفاً" أسودَ تحت بابِ شقتي الجديدة.. شقتي التي لم يعرف عنوانها بشر.


فتحتُ المظروفَ بيدي المرتجفتين، لم يكن فيه رسالة، بل كان بداخله "مفتاحٌ حديديٌّ قديم"، ورقةٌ صغيرةٌ كُتب عليها بخطٍ أعرفه جيداً:


"لقد ظننتَ أنك أغلقْتَ الباب.. لكنكَ نسيتَ أنَّ من يرحلُ بصمت، يتركُ خلفه مفتاحاً لا يراهُ إلا من كان سبباً في رحيله."


اتسعت عيناي بذهول، تذكرتُ ذلك البابَ في منزلي القديم، الباب الذي كنتُ أخشى دائماً الاقترابَ منه، البابَ الذي لم أجرؤ يوماً على فتحه، ظناً مني أنه مجرد مخزنٍ للمهملات.


الآن، وبعد كلِّ هذا الوقت، أصبحَ المفتاحُ في يدي. وبدأت أتساءل: هل كانت مغادرتي بصمتٍ هي الفعلُ الصحيح؟ أم أنني هربتُ من حقيقةٍ كان يجب أن أواجهها خلفَ ذلك الباب؟


وقفتُ أمامَ مرآتي، نظرتُ إلى المفتاحِ ثم إلى مقبضِ بابِ شقتي.. فكرتُ في العودة. ليس للماضي، بل لتلك الغرفةِ التي ربما حوت كلَّ الأجوبةِ التي مزقتني.


وضعتُ يدي على مقبضِ البابِ لأخرج، لكنني توقفتُ فجأة.. سمعتُ صوتَ طرقةٍ خفيفةٍ على بابِ شقتي من الخارج. طرقةٌ مألوفةٌ جداً، طرقةٌ ظننتُ أنني لن أسمعها إلا في كوابيسي.


تراجعتُ خطوةً للوراء، والمفتاحُ يسقطُ من يدي على الأرض بصوتٍ رنَّ في المكان كأنه صرخة..


هل أفتحُ البابَ لأواجهَ الماضي؟ أم أقفُ في صمتي حتى يملَّ الطارقُ ويرحل؟


خلف الباب، لم يكن هناك مجردُ شخصٍ يطلبُ الدخول، بل كانت هناك حقيقةٌ ستقلبُ كلَّ موازينِ الرحيل.. حقيقةٌ تجعلُ الصمتَ صراخاً، واللقاءَ مستحيلاً.


الآن، وفي هذه اللحظة الفاصلة، هل سيفتحُ البابَ ويواجهُ قدراً قد يغيرُ حياته للأبد، أم يظلُّ سجيناً لصمتٍ اختارهُ بنفسه؟

NameE-MailNachricht