كتب/ أيمن بحر
فى تطور لافت يعكس تحولا عميقا فى طبيعة الصراعات الحديثة تبرز ايران كنموذج مختلف فى إدارة التهديدات حيث اتجهت إلى نقل جزء كبير من بنيتها العسكرية إلى باطن الارض فى محاولة لتقليل تأثير الضربات الجوية وتعزيز قدرتها على الاستمرار فى أى مواجهة طويلة
تشير تقارير وتحليلات عسكرية إلى أن طهران عملت خلال السنوات الأخيرة على إنشاء شبكة واسعة من الانفاق والتحصينات التى تضم منصات صاروخية ومراكز تخزين وتصنيع بما يسمح بإخفاء القدرات العسكرية بعيدا عن أعين الاستطلاع التقليدى ويمنحها ميزة البقاء تحت الضغط العسكرى
وتؤكد المعطيات المتداولة أن هذه المنشآت لا تقتصر على التخزين فقط بل تمتد لتشمل عمليات التصنيع والتجميع وهو ما يعكس توجها نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي وضمان استمرار الإنتاج حتى فى ظل الحصار أو الاستهداف المباشر
ويطرح هذا النهج تحديات كبيرة أمام القوى التقليدية التي تعتمد على التفوق الجوي حيث تصبح الضربات أقل فاعلية في تدمير القدرات الكامنة خاصة مع تعدد المداخل والمخارج ومرونة إعادة التشغيل خلال فترات قصيرة
فى الوقت نفسه تلعب الجغرافيا دورا محوريا في هذه الاستراتيجية حيث تستفيد ايران من طبيعة أراضيها الجبلية لتأمين منشآتها وهو ما يمنحها عمقا دفاعيا يصعب اختراقه ويعزز قدرتها على المناورة
وتتداخل هذه الاستراتيجية مع أوراق ضغط أخرى أبرزها الموقع الحيوي لمضيق هرمز الذي يمثل شريانا رئيسيا للطاقة العالمية حيث تستخدمه طهران كأداة تأثير فى أى تصعيد إقليمي رغم محاولات بعض الدول تقليل الاعتماد عليه عبر بدائل نقل الطاقة
وبالنسبة لمصر يفتح هذا النموذج تساؤلات مهمة حول طبيعة التهديدات المستقبلية خاصة فيما يتعلق بأمن الممرات الملاحية وفي مقدمتها قناة السويس حيث أظهرت تطورات المنطقة أن التهديدات لم تعد تقليدية بل تعتمد على أدوات غير مكلفة نسبيا لكنها فعالة في التأثير على حركة التجارة العالمية
ويرى خبراء أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في امتلاك السلاح بل في القدرة على استمرارية تشغيله تحت الضغط وهو ما يدفع إلى إعادة التفكير في مفاهيم التصنيع العسكري والبنية التحتية الدفاعية بما يضمن الجاهزية في مختلف السيناريوهات
وفي ظل هذه المعطيات تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة من التوازنات تقوم على القدرة على الصمود بقدر ما تقوم على القوة الهجومية حيث لم تعد المواجهة تحسم بضربة واحدة بل بقدرة كل طرف على الاستمرار وتحمل الضغوط لفترات أطول
وتؤكد هذه التحولات أن الحروب الحديثة لم تعد تدور فقط فوق الارض بل امتدت إلى ما تحتها حيث تصبح الانفاق والمواقع المحصنة جزءا أساسيا من معادلة الردع وهو ما يفرض على الدول إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية بما يتماشى مع هذا الواقع المتغير
