JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Startseite

كلهم حولك… لكن لا أحد معك من سلسلة مقالات مغسلة العقول

 


بقلم: أسماء عبده 


كان يجلس في غرفته بأحد الفنادق الفاخرة في بلاد الغربة، والمدينة تحت قدميه تلمع بأضوائها الصاخبة، بينما الأرقام على شاشته تصعد بلا توقف. مئات الآلاف من المتابعين، بريد إلكتروني مزدحم، وهاتف لا يصمت؛ دعوات، ومؤتمرات، وسهرات مع أشخاص يبتسمون له دوماً طالما أنه "مفيد" لمصالحهم. كان يظن في تلك اللحظات أنه ملك العالم، وأن هذا الضجيج المحيط به هو "الونس" الحقيقي، فركض طويلاً خلف المال والاسم والمستقبل، حتى صدّق واهماً أن العزوة يمكن أن تُقاس بمجرد الأرقام والعدد.


وفجأة، توقف كل شيء؛ أزمة صحية قاسية فرضت عليه مكوثاً إجبارياً في غرفة مغلقة وصمتٍ لم يعتد عليه. انطفأت الشاشات، واختفى الضجيج، ونظر إلى هاتفه مترقباً، فابتسم حين رأى إشعارات كثيرة، لكن ابتسامته بهتت سريعاً حين اكتشف أن جميعها تدور حول "العمل"، ولا واحدة منها تسأل عنه هو؛ كيف حالك؟ هل تحتاج شيئاً؟ الوجوه التي كانت تملأ يومه اختفت بهدوء غريب، وهنا فقط فهم الحقيقة المرة: "مش كل اللي حواليك.. معاك".


مرّت أمامه صور قديمة كان قد طواها النسيان؛ صورة أم تنتظر منه مكالمة مختصرة، وإخوة كبروا وتزوجوا بعيداً عنه، وأصدقاء استبدلهم بعلاقات يراها "أهم". في تلك اللحظة، رأى الحقيقة عارية تماماً؛ لم يكن محاطاً بالحب، بل كان محاطاً بزحام من المصالح والمجاملات الزائفة. هذه القصة ليست خيالية، بل هي تشخيص لمرض نفسي واجتماعي معاصر يُسمى "العمى العاطفي"؛ حين تعمينا الأرقام ونظن أن كثرة الناس حولنا تعني أننا لسنا وحدنا، فنستبدل العزوة الحقيقية بجمهور رقمي، ونصدق أن كلمة "سلامتك" في تعليق تعوّض يدًا تسندنا عند السقوط، لكن الحقيقة أقسى: من حولك قد يراك.. لكنه لن يحملك حين تسقط.


العزلة لا تطرق الباب فجأة، بل تتسلل بهدوء حين نعتاد قول "أنا مشغول"، "نأجل الكلام"، أو "ليس لدي وقت". إن المشكلة ليست في اختفاء الناس، بل في وجودهم بشكل خاطئ؛ بيت مزدحم لكن كل فرد فيه يغلق على نفسه باباً، وعلاقات "فرفشة" وضحك وصور تتبخر عند أول اختبار حقيقي، وتأجيل دائم للمشاعر والزيارات حتى يمر العمر ونكتشف أن "بعدين" لا يأتي أبداً.


الأزمات ليست دائمًا عدوًا، بل هي أحياناً "كاشف" ينقّي الزحام ويترك لك الحقيقة عارية، لتكتشف من يقف بجوارك فعلاً، ومن يكتفي بسؤال مجاملة، ومن لم يكن يراك من الأساس. وقبل أن تصل إلى تلك اللحظة القاسية، اسأل نفسك بصدق: لو اختفيت الآن، من سيشعر بغيابك فعلاً؟ ومن لن يلاحظ؟ ومتى كانت آخر مرة اخترت فيها "القريب" على حساب "المفيد"؟ في النهاية، اسمعها جيداً: مشكلتك لم تكن أنك وحدك، مشكلتك أنك اكتشفت ذلك متأخرًا؛ فالنجاح لا يمنح دفئاً، والأرقام لا تسند الظهر، والذي يبقى في النهاية ليس من كانوا حولك.. بل من كانوا معك.


#مغسلة_العقول 

#أسماء_عبده 

#الوحده 

#العزلة 

#محتوى 

#الوهم


NameE-MailNachricht