من اليُتم إلى الأمانة، كيف أعدّ التاريخ رجل الرسالة قبل أن تنزل الرسالة؟
سلسلة التاريخ من وراء الستار
بقلم / محمد مصطفى كامل
هناك لحظات في التاريخ تبدو للناس عادية حين تقع، ثم يكتشف العالم بعد قرون أنها كانت بداية كل شيء.
فالتاريخ لا يصنع تحوّلاته الكبرى دفعة واحدة، بل يبدأها بخطوات صغيرة لا يلتفت إليها أحد. طفل يولد في بيت متواضع، أو شاب يسير في طرقات مدينة مجهولة، أو إنسان يبحث عن معنى مختلف للحياة بينما ينشغل الآخرون بصخب الدنيا.
وحين ننظر إلى تاريخ الرسالات، نجد أن أعظم الأحداث لم تبدأ يوم أُعلنت، بل بدأت يوم جرى إعداد أصحابها.
ومن هنا تبدأ حكايتنا اليوم ،
حكاية السنوات الصامتة التي سبقت البعثة.
سنوات لم تنزل فيها آية، ولم يُرفع فيها لواء دعوة، ولم يعلم أحد أن التاريخ كان يُعِدُّ رجلًا سيغيّر وجه العالم.
وقبل أن أتابع هذا السرد، أؤكد للقارئ الكريم أنني لا أكتب السيرة النبوية الشريفة بمعناها العلمي المتخصص، فذلك علم جليل له رجاله وأئمته الذين خدموه عبر القرون، ولا أدّعي لنفسي مقامًا بينهم.
إنما أحاول هنا قراءة المشهد التاريخي الذي سبق البعثة، وتتبع حركة الأحداث والظروف التي أحاطت بواحدة من أعظم اللحظات في تاريخ الإنسانية، وكيف تهيأت الأرض والزمان والإنسان لاستقبال الرسالة الأخيرة.
بدأت الرحلة باليُتم.
رحل الأب قبل أن يرى ابنه النور، ثم لحقت به الأم بعد سنوات قليلة، ليجد الطفل نفسه مبكرًا في مواجهة عالم لا يرحم الضعفاء.
وفي مجتمع كانت القبيلة فيه تمثل الحماية والقوة والانتماء، بدا اليُتم وكأنه نقص في أسباب الحياة.
لكن التاريخ يكشف أحيانًا أن ما يراه الناس حرمانًا، قد يكون جزءًا من إعداد أكبر لا يفهمونه في حينه.
فالرجل الذي سيحمل هموم أمة كاملة، كان عليه أولًا أن يعرف معنى الحاجة، وأن يشعر بآلام الضعفاء قبل أن يقودهم.
انتقل بعد ذلك إلى كفالة جده عبد المطلب، سيد قريش وصاحب المكانة الرفيعة بين العرب، ثم إلى كفالة عمه أبي طالب.
وهناك بدأت تتشكل شخصية مختلفة.
لم يكن أميرًا ينتظر تاجًا، ولا وريثًا لعرش، ولا ابنًا لسلطة نافذة.
كان يعيش الحياة كما يعيشها الناس.
يرى تعبهم، ويعرف همومهم، ويختبر الواقع بعيدًا عن أسوار الامتيازات.
ثم جاءت مرحلة رعي الغنم.
وربما تبدو هذه المهنة بسيطة في نظر البعض، لكنها كانت مدرسة صنعت كثيرًا من الأنبياء.
في الصحراء الواسعة، بعيدًا عن ضجيج الأسواق والقبائل، يتعلم الراعي الصبر، والانتباه، وتحمل المسؤولية، والرفق بمن يقودهم.
وهناك، وسط السكون الطويل، تنمو القدرة على التأمل ومراقبة العالم من حوله.
ثم انتقل إلى التجارة.
فسافر مع القوافل، وعرف طرق الشام وأسواق العرب، وشاهد أحوال الأمم المختلفة.
وفي تلك الرحلات لم يكن يتعلم التجارة فقط، بل كان يقرأ البشر.
يرى اختلاف العقائد والعادات والأفكار، بينما كانت الجزيرة العربية تقف عند ملتقى طرق العالم القديم بين الروم والفرس واليمن والشام.
وفي خضم تلك الحياة، حدث أمر يستحق التوقف أمامه.
فقد شهدت مكة قيام ما عُرف بحلف الفضول، وهو اتفاق بين عدد من بطون قريش لنصرة المظلوم ورد الحقوق إلى أصحابها مهما كانت قبائلهم أو أنسابهم.
وكانت تلك الفكرة استثنائية في مجتمع تحكمه العصبية القبلية.
وقد شارك محمد (ص) في هذا الحلف وهو شاب، في موقف يكشف جانبًا مهمًا من شخصيته قبل البعثة؛ جانب الانحياز للعدل قبل أن يُكلَّف بحمل الرسالة.
ومع مرور السنوات، بدأت قريش تمنحه لقبًا لم يمنحه لنفسه الصادق الأمين،لم يكن لقبًا سياسيًا، ولا وسامًا رسميًا، بل شهادة مجتمع كامل لرجل عرفوه فلم يجدوا عليه كذبًا ولا خيانة.
وهنا يقف التاريخ أمام مفارقة لافتة.
فحين اختلف معه قومه لاحقًا في الرسالة، لم يستطيعوا أن يطعنوا في صدقه.
لقد جادلوا دعوته، لكنهم لم يجدوا في تاريخه ما يهدم أمانته.
ثم جاءت محطة أخرى سيكون لها أثرها الكبير في حياته.
زواجه من خديجة بنت خويلد رضي الله عنها،سيدة من سيدات قريش، عُرفت بالحكمة والمكانة والاحترام.
وقد وفر هذا الزواج قدرًا من الاستقرار النفسي والاجتماعي، في مرحلة كانت حياته تتجه فيها شيئًا فشيئًا نحو التأمل والبحث عن إجابات للأسئلة الكبرى التي تؤرقه.
وفي تلك الأثناء، كان العالم خارج مكة يزداد اضطرابًا.
الإمبراطورية الفارسية تتآكل بصراعاتها الداخلية.
والروم يخرجون من حرب إلى أخرى.
والعقائد تتشعب بين الغلو والتحريف والصراع.
والإنسان يبحث عن يقين مفقود وسط عالم يزداد اضطرابًا كل يوم.
أما في مكة، فكان رجل يقترب من الأربعين، بينما يزداد ابتعاده عن الأصنام وضجيج الأسواق ومفاخر القبائل.
كان يشعر أن وراء هذا الكون حقيقة أكبر.
وأن وراء الحياة رسالة لم تظهر بعد.
وكانت الأسئلة تكبر داخله بصمت.
بينما كان التاريخ يقترب من أكثر لحظاته حساسية.
فلم يكن التاريخ يصنع قائدًا سياسيًا، ولا مؤسس دولة فحسب، بل كان يعدّ شخصية ستواجه أزمة الإنسان نفسه، وتعيد صياغة العلاقة بين الأرض والسماء.
في ظاهر الأمر، قد تبدو هذه السنوات مجرد فصل هادئ بين الميلاد والبعثة.
لكن القراءة المتأنية للتاريخ تكشف أنها كانت من أخطر المراحل وأكثرها تأثيرًا.
ففيها تشكلت الشخصية، وتراكمت الخبرة، ونضجت الرؤية، واكتملت رحلة الإعداد الطويلة.
سنوات مرت دون ضجيج.
لم تشهد معارك كبرى، ولا انهيار ممالك، ولا تبدل خرائط.
لكنها شهدت ما هو أعظم من ذلك كله.
شهدت صناعة الرجل الذي سيقف بعد سنوات قليلة أمام العالم القديم بأسره.
وفي الوقت الذي كانت فيه الإمبراطوريات تتصارع على الأرض، كان حدث آخر ينمو في صمت بعيدًا عن قصور الملوك وجيوشهم.
هناك فوق جبل يطل على مكة.
وفي غار صغير لا يلفت انتباه أحد.
كان التاريخ يقترب من لحظة ستفصل بين زمنين.
فماذا حدث في غار حراء؟
وكيف انقطع صمت السماء الذي طال قرونًا؟
ذلك ما سنكشفه في المقال القادم من سلسلة التاريخ من وراء الستار.
