JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Startseite

قراءة في كتاب تنزاكو السعادة للدكتور محمد فتحي عبد العال

 





قراءة في كتاب تنزاكو السعادة للدكتور محمد فتحي عبد العال  اهداني الصديق د. محمد فتحي عبد العال مؤلفًا له بعنوان "تانزاكو السعادة" فأدركت أني سأكون أمام تجربة جديدة من تجاربه في عرض الأفكار وتقديمها، نظرًا لما أعرفه عنه من التجديد والابتكار والسعي وراء الأفكار المختلفة مع كل عمل يقدمه سواء أكان هذا العمل أدبيًا، علميًا، تاريخيًا، روائيًأ أو اجتماعيًا.

     وفعلًا، لم يخب ظني فقد بدأت بوادر التجديد تظهر مع اللحظة الأولى التي قرأت فيها العنوان:"تانزاكو السعادة " وقبل أن أتساءل، جاءني الجواب سريعًا في التمهيد الذي قدمه د. محمد إذ قال إن التانزاكو ليس الا قصاصات اوراق ملونة، مزينة يكتب عليها اليابانيون أحلامهم، ويعلقونها على أعواد من الخيزران ثم يلقونها في النهر، في مهرجان النجوم ( تاناباتا ما تسوري) راجين أن تهب لهم الاقدار السعادة. ومن هنا استنبط اسم كتابه الذي يمكن إدراجه تحت فئة التنمية البشرية ليبثه خلاصة تجاربه في مقطوعات صغيرة يلقيها في بحر حياة كل قارئ من قرائه لعله ينتفع بها وينجح باتّباعها. وتجارب د. محمد غنية تتراوح بين ما حصّله في دراسته وما جمعه من قراءاته وما اختبره في غربته وغير ذلك الكثير الكثير.

ومن هنا يبدأ بأولى "ٌقصاصاته" إذا جاز التعبير لتكون رسالته من خلالها هي الابتعاد عن الاستسلام وعدم التمسك بالفشل لأن الحياة بستان عطاء كريم، من قصده نال ما تمنى. والفشل ليس صبغة لا تزول بل هو عارض يمكن القضاء عليه بيسر إذا التزمنا بالخطط الجدية لبلوغ أهدافنا . ومن هناك يطلق رأيه في مفهوم الوطن الذي يجب أن لا يكون محدودًا بنظر الانسان بل يتعدى المكان ليصير براحًا زاخرًا بالحرية والسعادة والأمان.

اما الحظ، فهو لا يرى ان هناك حظ تعيس، وأن الإنسان قادر على تغيير حظه بيده إن بذل الجهد المطلوب. 

ثم يتناول الوحدة ليراها نعمة لا نقمة، لأنها فرصة لمعرفة الذات ومصادقتها واكتشافها، وهذه المعرفة هي المفتاح لمعرفة الحياة. 

كما يحث على الكرم المدروس، غير المرتجل الذي يجعلك تكبر في عيون الناس بدون أن يرونك مكسبًا سهلًا. اما مصادر الرزق فهي متاحة لا تحتاج إلا إلى السعي وراءها للحصول عليها.

وللخير في كتابه ركن، فهو يحث عليه وعلى زرعه بتعقل والابتعاد عن وضعه في غير مكانه الصحيح.

وبالانتقال إلى الحب، يعلن د. محمد أن الحب مشاعر وقتية قد تزول في أي وقت، لذلك يحذر من الانجراف إليها والتسليم بها خوفًا من الخذلان.

ويعتبر د.محمد أن الحرص على الذات هو أعظم صفات الكون، وهنا يتجلى الجانب العقلاني في شخصيته التي استلهمها من مركزه العلمي وهل هناك من هو أشد حرصًا من صيدلي يمضي أوقاته في الحفاظ على حياة الناس؟

وهكذا يتنقل الكاتب بين الأفكار والتأملات ليسكب خلاصة نفسه وعلمه وخلجات ضميره، فيكشف لنا عن شخصية تجمع بين العاطفة والعقل، بين الفطرة والذكاء،وبين التوازن والاعتدال.

وعلى صعيد آخر، يدعو الكاتب قراءه إلى التواضع والابتعاد عن مصارعة الحمقى ومناقشتهم لأنهم لا يستحقون ضياع الوقت بسببهم.

كما يرى ان على الانسان ان يؤمن بمبدأ ولو خالف الجميع شرط ان لا ينقلب هذا الايمان الى تعصب جامح.

ويعتقد بأن الفرص كثيرة في الحياة وعلى كل منا ان يعرف كيفية اقتناصها . وهكذا يتجول بين رأيه عن التعدد في النساء إلى الحديث عن الحقيقة المطلقة التي لا يمتلكها أحد، مرورًا بضرورة اكتشاف الذات وعدم الالتحاق بأيّ كان . ولم يغفل الحديث عن الحزن وطريقة تقبّله، وعن التوازن في العلاقات فلا نقترب كي لا نحترق ولا نبتعد كي لا نبهت.

وفي منتصف الكتاب تقريبًا نراه يترك للقارئ وصفة النجاح المبنية على الابتعاد عن التسويف والتعليل. كما ينصح بالعمل مهما كان و عدم اضاعة الوقت في انتظار العمل الذي تهواه النفس.

ولا يفوته أن يتحدث عن ميزة الاستغناء وقدرتها على جعل الانسان ملكًا متوجًا في حياته.

تانزاكو د. فتحي رحلة في عوالم الذات تراوحت بين نصائح الالتزام بالقيم الاخلاقية مثل التهذيب، الامانة،الصدق، صلة الرحم، وغيرها وبين توجيهات الالتزام بتصرفات معينة مثل تجاهل آراء الناس والمضي قدمًا لالاضافة الى التشديدعلى اتخاذ القرارات الهامة في حينها.

ولم يستطع د. محمد ان يتخلى عن مهنته الاصلية إذ أفرد قسمًأ من كتابه للحديث عن فوائد الرياضة وتناول الاسماك. ثم عاد بعدها الى النصح بالاستماع الى الموسيقى.

 باختصار.. 

يمكن اعتبار هذا الكتاب بوصلة توجّه القارئ إلى بر الأمان في علاقاته مهما اختلفت توجهاتها: بالذات، بالأقرباء، بالأحباء، بزملاء العمل، حتى العلاقة بالله لم يغفل كاتبنا الحديث عنها. وأجمل ما في هذا المؤلف هو أنه تناول هذه العلاقات الشائكة بشيء من التبسيط المحبب، واللهجة اللطيفة البعيدة عن الفوقية والوعظ والإرشاد، الاقرب إلى دردشة رفيقين في أمسية هادئة فبدا قريبًا من النفس، خفيفًا على الروح، يعلّم بلا تعالٍ ، ويوجّه بكل سلاسة .

كتاب يقع في ثمان وستين صفحة من القطع الوسط يستحق أن يكون هدية لطيفة لابن في سن الشباب او صبية في عمر الورود، فهو يجمع بين دفتيه دروسًا وعبرًا مغلّفة بالتوازن والتعقّل، محشوّة بالتعاطف واللين. وهذا ليس غريبًا على مؤلفه على الاطلاق لأنه بحق يجسّد تلك الشخصية التي تكتب ما تعتقد، وتنقل ما تعيش، وتصدق في ما تقدّم . وأرى ان الدكتور محمد فتحي عبد العال قد قدّم للمكتبة العربية "موسوعة" في التنمية البشرية بين دفتي كتاب صدق فيه أنه ما قل ودل ولا يمل .

المقال بقلم استاذة زينب عبد الباقي

كاتبة وناقدة لبنانية

NameE-MailNachricht