JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Accueil

"وثيقة صلح"

                



 كتبت / ماجدة حسن الصباغ

حلبة المصارعة الوهمية


منذ هبطا إلى الأرض معًا، لم يمشِ آدم يومًا أمام حواء ليتخطاها، ولم تَسِر حواء خلفه لتتعثر، بل سارا كتفًا بكتف. لكن المتأمل في واقعنا اليوم يرى مشهدًا غريبًا؛ فقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي وساحات المجتمع إلى حلبة مصارعة وهمية. جبهة تسخر من تضحيات الرجال وتصفهم بالخيانة، وجبهة أخرى تشمت في موت النساء أو تبرر ابتزازهن، وكأننا نسير عكس الفطرة الإلهية التي لخصها القرآن الكريم في آية هي دستور الحياة:﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.


هذه الحرب الباردة لم تنتج لنا إلا بيوتًا هشة، وعزوفًا من بناتنا عن الزواج خوفًا من الشراكة المزيفة التي تسلبها أمانها، ورجالًا يموتون في صمت كالصخر بعد أن كتموا أوجاعهم خلف جدران الكبرياء؛ لأن المجتمع أخبرهم قسرًا أن "الرجل لا يبكي"، وتناسى الجميع أن سيد الرجال وخاتم الأنبياء ﷺ بكى في مواقف شتى؛ فكان يبكي شوقًا، ويبكي رحمة، ويبكي حزنًا على فراق الأحبة، دون أن ينقص ذلك من هيبته ونبوته شيئًا.


إن الضحايا الذين بكينا عليهم مؤخرًا، من بسنت ونيرة إلى "كريمة عروس المنوفية"، وكل شاب انطفأ طموحه وانكسرت نفسه، لم يكونوا ضحايا أشخاص فحسب، بل كانوا ضحايا ثقافة التآكل التي تضرب مجتمعنا؛ لتثبت أن الرجولة حماية وليست شماتة في موت النساء. فحين تصبح الشماتة في الموت وجهة نظر، وحين يتحول الابتزاز الإلكتروني والعاطفي أو العنف المفرط إلى سلاح لكسر النفوس وإنهاء الحياة، نكون قد ابتعدنا تمامًا عن الوصية النبوية الخالدة:"استوصوا بالنساء خيرًا"،وقوله الحاني:"رويدك يا أنجشة، لا تكسر القوارير".


بيوت هادئة وقلوب تُذبح


ولكن، لكي يكتمل هذا الصلح التاريخي، علينا أن نلتفت إلى العدو الخفي الذي يهدم العلاقات من الخارج؛ وهم "الأصدقاء والخلطاء الغيورون". وهذه الآفة لا تقتصر على المتزوجين داخل البيوت المغلقة فحسب، بل تبدأ مبكرًا جدًا؛ فتراها تنخر في فترة الخطوبة، وتسمم مشاعر الحبيب وحبيبته، والخطيب وخطيبته، وتمتد لتضرب أعمق العلاقات الزوجية المستقرة؛ لتتحول الأوضاع خلف الأبواب إلى بيوت هادئة وقلوب تُذبح.


فما إن يلمح هؤلاء الأصدقاء علاقة ناجحة ومستقرة، حتى تبدأ شياطين الغيرة بالتحرك تحت قناع النصيحة والمحبة، وتجدهم يزرعون الشك بعبارات مسمومة مثل:"أنا أنصحك لأني أحبك.. هل تشك في حبي لك؟"،أو:"أنا خائف عليك ألا تُستغل طيبتك".


هؤلاء هم أصحاب النصائح الملغومة الذين يتدخلون للإيقاع بين الطرفين، بل إن الأمر قد يصل ببعض النفوس المريضة إلى دناءة محاولة "خطف" الشريك وتخريب حياته؛ فتستغل الصديقة اللعوب ثقة صديقتها لتسرق منها خطيبها، أو تهدم استقرار بيتها تحت مسمى الحب المزيف. وبالمثل، يندس الصديق الخائن الذي يرتدي ثوب النبل؛ ليفسد قلب زوجة صديقه أو خطيبته عليه ويسرقها لنفسه، في طعنة غادرة لا تُغتفر.


هؤلاء سماهم النبي ﷺ "المخببين"، وحذر منهم أشد التحذير فقال:"ليس منا من خبب امرأة على زوجها"،والتخبيب هو إفساد القلوب، وتخريب العلاقات، وهدم البيوت في أي مرحلة كانت.


روشتة حماية العلاقات


كيف نتعامل مع هذه الأنماط ونحمي علاقاتنا؟


السرية والخصوصية:العلاقات عورات، وفترة الخطوبة أو الارتباط والزواج ليست مشاعًا للجميع. حصنوا تفاصيلكم وسعادتكم عن الأعين، فالعلاقات المستورة لا تُخترق.


وضع خطوط حمراء:اقطعوا ألسنة النصائح المسمومة فورًا. عندما يبدأ صديق أو صديقة بالتلميح بسوء عن الشريك، يجب أن يكون الرد حازمًا:"حياتي خط أحمر، وشريكي أنا أعلم به".


التواصل المباشر:إذا زرع الدخلاء في عقولكم شكًا، فاذهبوا إلى الشريك مباشرة، وتحدثوا معه بمكاشفة وصراحة، ولا تتركوا للطرف الثالث فرصة ليدير معارككم بالوكالة.


أدب الانفصال والرحيل الراقي:إذا استعصت الحياة وأُغلقت أبواب الاستمرار، فعلينا أن نتعلم "فن النهايات الراقية". فالعلاقات التي أزهرت يومًا بالمعروف، لا يصح أن تذبل بالفجور في الخصومة، أو الفضائح، أو العنف.


إن دستور السماء حاسم في الفراق كما هو حاسم في البدايات، إذ يقول تعالى:﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.


والرحيل النبيل في الخطوبة أو الزواج يعني ألا نتحول إلى أعداء، وألا نهدم تاريخًا جميلًا بكلمة مسمومة أو تشهير رخيص؛ فالفروسية الحقيقية تتجلى عند لحظات الفراق، ومن لا يملك شرف الخصومة، لا يستحق شرف الحب.


الرجل الصخرة والبكاء الصامت


وحتى لا نصل إلى نقطة الفراق، علينا أن ندرك أن خلف صمت كثير من الرجال صرخات مكتومة وآلامًا لا تُرى. فالرجولة لم تكن يومًا صوتًا جهورًا، أو يدًا تمتد بالأذى؛ الرجولة في جوهرها "أمان". هي ذلك السور العالي الذي يحيط بالمرأة ليحميها، ويصون سرها، وعرضها، وحياتها، حتى في أوقات الخلاف والخصومة؛ مصداقًا لقوله ﷺ:"إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها".


فالرجل الحقيقي يحمي ولا يغدر، يصون ولا يكسر، وإذا مضى.. رحل بنبل وفضل.


وفي المقابل، يحتاج هذا "الرجل الصخرة" صاحب البكاء الصامت إلى واحة يستريح فيها. يحتاج أن يخلع درع المحارب عند عتبة بيته؛ ليمسح دموعًا حبسها طويلًا عن أعين البشر. يحتاج من حواء أن تكون له السكن لا العبء، وأن تدرك أن وراء ثباته الظاهر قلبًا يتألم، ويحتاج إلى الاحتواء والتقدير، وليس مجرد آلة صامتة لتلبية الطلبات.


ميثاق التكامل لا التنافس


لقد حان الوقت لصلح تاريخي بين آدم وحواء. صلح يبدأ بوقف التعميم الأعمى، وينتهي بغلق الأبواب في وجه المفسدين والدخلاء. صلح يعيد للعلاقات قاعدتها الذهبية الخالدة:﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.


يا آدم، الأنوثة ليست ضعفًا لتستقوي عليها، بل هي أمانتك التي تُسأل عنها يوم القيامة. ويا حواء، الرجولة ليست عدوًا لتنقلبي عليه، بل هي السند الذي تكتمل به خطوتك.


نحن لا نتنافس في حلبة صراع، بل نتكامل في رحلة حياة كأننا جسد واحد، كما وصفنا النبي ﷺ:"إنما النساء شقائق الرجال".


دعونا نغلق جبهات الحرب، ونطرد الدخلاء، ونفتح أبواب السكن؛ لنبني مجتمعًا سويًا يحمي بناته، ويحترم رجاله، ويُعلي من شأن الإنسانية.


وهنا يبقى السؤال الوجودي المعلق في أذهاننا جميعًا:إلى متى سنظل في هذه الحروب الباردة بين آدم وحواء؟ وإلى أي مدى سنسلم آذاننا إلى من يدعون الصداقة ليشمتوا ويخربوا علاقاتنا؟ وهل سنقاوم ونبدأ من جديد بداية تليق بآدم وحواء اللذين اصطفاهما المولى عز وجل وكرمهما بين خلقه؟



NomE-mailMessage