JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Accueil

انطباعات فنية - حزين عمر

 


الانتماء اختيار ..لا  في السياسة فحسب بل في الإبداع كذلك ..بصرف النظر عن المستوى الاقتصادي والاجتماعي..والفنانة نازلي مدكور تجسيد لهذا الانتماء الوطني في إبداعها التشكيلي..

هذا هو موضوع مقالتي الأسبوعية (انطباعات فنية) بجريدة المساء.

#حزين_عمر

انطباعات فنية 

           ---------------- حزين عمر 

نازلي مدكور ..ولوحاتها الموسيقية!! 

أرستقراطية ..استغرقها الريف والواحات !! 

-------------------------------------------------- 

في وسطنا الثقافي: أدبيا وفنيا ؛ طفت تناقضات النفوس على السطح بتأثير ثورة يوليو..فمن كانوا يمتدحون الملك ؛ وأصدروا أعمالا كاملة ؛ كديوان(الملك) لمحمود حسن إسماعيل ؛ تحولوا عنه بأيديهم أو بأيدي  غيرهم!! فقد شهدت بدايات الثورة محاولة "إجرامية" لحجب أغاني أم كلثوم!! بحجة أنها غنت للملك وتنتمي للعصر البائد !! حتى لاحظ عبدالناصر نفسه اختفاء أغانيها عن خريطة الإذاعة ..سأل؛ وعرف؛ وامتعض؛ وأمر بإعادتها وعدم التعرض لها بتلك الادعاءات الغبية!! ورد على من تطوع بهذه الحماقة بأن الأهرامات تنتمي للعصور البائدة ؛ فلتذهب لهدمها!!

وجرت محاولة شبيهة بواقعة "أم كلثوم" كان بطلها توفيق الحكيم. لا لانتمائه للعصر البائد ؛ بل لكسله وإهماله في عمله بدار الكتب !! فوردت قائمة أمام عبدالناصر ؛ متضمنة من ينبغي التخلص منهم ؛ بفصلهم من الدار ..وكان منها توفيق الحكيم!! فاندهش عبدالناصر..ولم يوقع على طرد الحكيم من عمله ؛ بل على طرد من حاول هذه الحماقة!! 

أما من انقلبوا على الثورة بعد وفاة عبدالناصر فكثيرون .. بعضهم أصحاب دوافع شخصية ؛ ربما كانوا محقين فيها : باشوات سابقون انتزعت أملاكهم وأممت شركاتهم - مثلا - وهؤلاء لهم أعذارهم ..أما من لا أعذار لهم فيمثلهم خير تمثيل الشاعر صالح جودت ؛ أحد المتغزلين في ا لثورة وزعيمها ؛ ثم قائد الانقلاب الأدبي والفني والصحفي عليها!! وما كان ابن باشا ولا سكرتير باشا!! بل كان كأغلبيتنا من أسرة بسيطة!! وسار سيرة كثيرين من أبناء تلك الأسر البسيطة الريفية والكادحة  الذين سعوا إلى الإيهام "بعراقة محتدهم" !! فهاحموا الثورة وتبرأوا من جذورهم الريفية!! 

                            الوجه الآخر 

الوجه النقيض لهؤلاء "المتبرئين" يتجلى بأدق معانيه في سيدة أرستوقراطية أصلا وفصلا ؛ هي الفنانة نازلي مدكور - شأن زوجها الكاتب محمد سلماوي في هذا الصدد - وقد آثرت الانتماء على الادعاء؛ والالتصاق بالجذور على التعلق بالعارض والمدعى والغريب من الولاءات ..هذه المبدعة المنتمية للجيل الثاني بعد رائدات الفن التشكيلي ؛ حالة متفردة من وجوه عدة.. ونحن نتوقف عندها الآن بمناسبة معرضها المقام مؤخرا بالزمالك . فهي قد حددت اختياراتها في مجال الإبداع بحرية مطلقة..لم تسر  في طريق التخصص الدقيق لها ؛ كخبيرة اقتصادية - خريجة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة - ولم  ترى عملها بهيئة دولية كجامعة الدول العربية ؛ وبدخل مادي كبير ؛ وسيلة للاستقرار والاستمرار ..ولم تحدد انتماءها الفكري والاجتماعي والعام وكذلك توجهها الفني ؛ بناء على جذورها الأسرية ومستواها المادي ؛ بل انحازت للأرض بمعناها الحرفي..الريف ؛ الواحات؛ الصحراء.. وسخرت ريشتها وألوانها ولوحاتها للعبادة في محراب هذا الوطن ؛ أي جوهر الوطن وأصله..فأضحت قبضة من تبر مصر ؛ ونفحة  من نسماتها؛ ورشفة من خلود نيلها وسمائها .. اختارت الدائم والخالد والأبدي؛ وقدمته على الزائل والزائف والمدعى والمؤقت.. فقوام الوطن الأصلي هو الريف  : القرى والنجوع والنخيل والواحات والترع والدروب..وهي الآن - نازلي مدكور - المتحدث الفني عن هذا جميعا ..حديثها الصامت عبر الألوان أعلى من كل صخب..لوحاتها الطبيعية أثرى وأغنى وأجلى من كل تعبير. 

في معرضها الجديد هذا؛ وبعقلية منهجية منظمة ؛ قسمت لوحاتها إلى موضوعات بعينها :(بدايات المنظر الطبيعي - ١٩٨٢-٢٠٠٦) و(التشخيص - ١٩٨١-٢٠٠١٣)و (الورود والورقيات - ٢٠٠٩-٢٠٢٢) و (عودة إلى المنظر الطبيعي - ٢٠٢٢-٢٠٢٦) ..ويلفت الإنتباه في العنوان الأخير التأكيد على الانتماء للطبيعة ..وهي مستغرقة أكثر في طبيعة الواحات: الفرافرة ؛ والمكونات الصحراوية والريفية . فلم تكتف بالعنوان الأول :(بدايات المنظر الطبيعي) ؛ بل أرادت العودة إليه في سنواتها الأخيرة ؛ ولفتت أنظار متابعيها إلى هذه العودة أو هذا الإصرار على الانتماء للجذور.

                                 موسيقى اللون 

وفي واقع الأمر هي ليست مجرد تعبيرات لونية عن الطبيعة ؛ بل هي (لوحات موسيقية) تبث الصمت المنفعل أو الانفعال الصامت لدى من يتأملها..فإذا دققت في هذه الأعمال سرت داخلك موسيقى هادئة ؛ كأنها تحدث توازنا في النفس وانسجاما  في الروح وانصرافا عن قشور الحياة إلى أعماقها وأغوار فلسفتها. إن المبدعة لا تصور الطبيعة ؛ بل تحاورها ؛ تستبطن أغوارها ؛ "تتجسس" على ما وراءها ؛ وتستنطق لغتها وموسيقاها وهمومها ودموعها.. ولذا فأحيانا تبدو الألوان فرحة مقبلة مستبشرة ؛ وأحيانا قاتمة غارقة في الشجن ؛ وأحيانا صارخة مستنجدة عبر الأحمر بدرجاته ومستوياته.

وعلى الرغم من تيار التشخيص في أعمالها : وجوه أو أشباه وجوه ؛ وبشر أو أشباه بشر ..فإنها لاتقصد أن تستعرض الوجوه أو البشر بذواتهم ؛ بل بصفتهم مفردة من مفردات الطبيعة ؛ في أفراحها وأتراحها ونجاحها وخذلانها ..ولذا لا ننتظر منها أن تعيد تقديم الشخوص والوجوه كما هي في الواقع. فمن شاء هذا فليجلس على قارعة الطريق ليرى الناس والوجوه والأشكال!! إنما هي ترينا ما وراء الأشكال والمظاهر ؛ وما بعدها ؛ وما خلفها .. واختراق القشرة السطحية من الكائن البشري . فتبدو هذه القشرة غائمة ليطل من خلفها تعبير ما ؛ وحلم ما ؛ وانكسار ما ؛ وانتصار ما ..

NomE-mailMessage