بقلم: / أسامة حسان
حين نتأمل مسيرة العقول العلمية الاستثنائية، نجد أن بعض الأسماء لا تُقرأ بوصفها سيرًا ذاتية فقط، بل تُقرأ كحالات فكرية حملت داخلها مشروعًا إنسانيًا يتجاوز حدود التخصص العلمي نفسه.
وفي هذا السياق، يبرز اسم الدكتورة سميرة موسى كواحدة من أوائل عالمات الذرة في العالم العربي، وكواحدة من أكثر النماذج التي جمعت بين التفوق العلمي والرؤية الإنسانية للعلم.
وُلدت سميرة موسى في بيئة لم تكن فيها الفرص العلمية المتقدمة متاحة بسهولة للنساء، إلا أن إصرارها المبكر على الدخول إلى عالم الفيزياء جعلها حالة مختلفة منذ البداية. لم يكن طريقها مجرد تفوق دراسي، بل كان تعبيرًا عن عقل يسعى إلى اقتحام مجالات علمية كانت في ذلك الوقت حكرًا على نخبة محدودة في العالم.
اتجهت إلى دراسة الذرة والطاقة النووية، في مرحلة تاريخية كانت فيها هذه العلوم في ذروة التحول العالمي، بعد أن أصبحت الطاقة النووية أحد أهم مفاتيح القوة العلمية والتكنولوجية في القرن العشرين.
لكن ما يميز تجربتها لم يكن فقط الانخراط في هذا المجال، بل رؤيتها الخاصة له، حيث كانت تؤمن بأن العلم الحقيقي هو ذلك الذي يُسخر لخدمة الإنسان، لا لإلحاق الأذى به.
خلال مسيرتها البحثية، حصلت على فرص علمية خارج مصر، واطلعت على أحدث ما وصل إليه البحث في مجال الفيزياء النووية، ونجحت في أن تترك بصمة علمية جعلت اسمها حاضرًا في بعض الأوساط الأكاديمية الدولية، في وقت كان فيه حضور العالم العربي في هذه المجالات محدودًا للغاية.
ورغم هذا المسار العلمي الواعد، انتهت حياتها في حادث غامض أثناء وجودها خارج الوطن، وهو الحدث الذي ظل محل تساؤلات متعددة عبر العقود، دون أن تُحسم تفاصيله في رواية تاريخية واحدة قاطعة، ما جعل قصتها تظل مفتوحة على أكثر من قراءة.
لكن ما بقي من سميرة موسى لم يكن فقط سيرتها العلمية، بل ذلك الحلم الذي حملته حتى النهاية: أن يتحول العلم إلى وسيلة للحياة لا أداة للفناء، وأن تمتلك الدول القدرة على توظيف المعرفة في بناء مستقبلها بدل أن تبقى مجرد متلقٍ لها.
وفي كل مرة يُستعاد فيها اسمها، لا يُطرح السؤال عن ما أنجزته فقط، بل عن ما كان يمكن أن تنجزه لو امتد بها الزمن.
وهكذا تبقى سميرة موسى واحدة من تلك العقول التي لا تُقرأ في الماضي فقط، بل تُقرأ أيضًا في احتمالات المستقبل الذي لم يكتمل.
وفي الحلقة القادمة من سلسلة “عيون الأعداء على العلماء” نقترب من عقل جديد داخل هذا العالم شديد الحساسية مع ... العقل النووي الذي دخل قلب المعادلة الصعبة.. الدكتور يحيى المشد... فانتظرونا.
