JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Home

• بين الذبح والتظاهر، شعيرة عيد الأضحى أم مسرحية؟




الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني

دولة الجزائر


قراءة في نفاق اجتماعي موسمي


في كل عيد أضحى، يبعث نصف المجتمع من سباته الأخلاقي فجأة، كمن ينفض الغبار عن قناع إبراهيم عليه السلام المخزّن في دولاب الذكريات. قناع موسمي، محدود الصلاحية، ينتهي مفعوله بمجرّد تبخّر آخر قطعة لحم من على الفحم.


ترى الرجل الذي لم يلتفت يوما لجاره الجائع، ولم يخرج زكاة ماله إلا بعد مفاوضات شاقّة مع ضميره المُصفَّر، وصراع مرهق مع آلة حاسبة يخاف فيها على أرقامه أكثر من خوفه على أموال اليتامى. يقف الآن أمام خروف دامع العينين، مذعور يجرّ رجليه، فيردّد بصوت متهدّج كأنه يوشك على البكاء: "إنها سنّة مؤكّدة… إنها شعيرة لله."


لله؟ حقا لله؟ أم لبطن لم يشبع طوال العام من رشاوى وصفقات مشبوهة؟


يا سلام على هذا الإخلاص الذي لا يستيقظ إلا حين تتبخّر الدهون على الفحم، وتعلو رائحة الشواء لتغطّي على رائحة البعر الذي يزاحم السجّاد في البيت!


نفس هؤلاء الذين يمضون أحد عشر شهرا يساومون بائع الدجاج على جناح مجاني أو رقبة بائسة، يتحوّلون فجأة في ذي الحجة إلى خبراء في "الروحانيات الحيوانية"، حمراء اللون اسمها "اللحم". يفحصون الخروف كما يفحص المهندس محرّك سيارة فاخرة؛ كم نسبة الدهون؟ كيف الملمس؟ هل اللحم طريّ أم مشحّم؟ ثم يطلبون من الجزّار أن "يغمض عين الخروف قبل الذبح" كي لا يشعر بالألم، بينما هم يغمضون أعينهم طوال العام عن ألم الجار والأقرباء والفقراء.


ثم تبدأ الكارثة؛ تخزين الأعلاف وكأنّهم يستعدون لحصار طويل، البيت يمسي حظيرة مصغّرة، الرائحة تسبق أصحابها إلى المجلس، البعر يزاحم السجّادة الفارسية، وأفراد العائلة يستقبلون الصباح على أنغام؛ "ماء… علف… ثغاء… بلاوي!" ومع ذلك، يقف صاحب العرض، نافشا ريشه كديك مزهوّ على قمامة الدنيا، ليعلن بثقة المؤمن المختار: "نحن نضحّي اقتداء بسنّة الرسول."


أي سنّة يا سيدي؟ سنّة الغشّ في الميزان؟ سنّة أكل الحرام بالدين؟ سنّة أكل حقوق الناس بالميراث قبل أن تبرد جثثهم؟ سنّة الرشوة المقدّسة التي تسمّونها "هدية"؟ سنّة التلاعب بالعقود واليمين الكاذب في التجارة؟


أم أن السنّة لا تذكر إلا حين تصبح قابلة للشواء أو حين يتعلّق الأمر بكيلو لحم طازج من فخذ الخروف؟


تسرق أخاك المسلم طوال العام، تكذب على زبونك، تغشّ في صفقاتك دون حياء، تظلم عاملا بسيطا حقّه، تكدّس المال الحرام كأنك تبني هرما فرعونيا فوق جماجم الضعفاء. ثم في يوم واحد، تشتري خروفا سمينا يصاب بعُرج السوق، وتعتقد أنك غسلت تاريخك الأسود بدمّه البارد! وتعلن أمام الناس والقنوات أنك "تتقرّب إلى الله"! أي منطق هذا؟ هل صار الإله خاضعا لعروض التنزيلات الموسمية؟ وكأن الدخان المتصاعد من الشواية ترتفع معه درجات الإيمان إلى عنان السماء؟


والأطرف من هذا كلّه أن قبل العيد بأسبوع، يدخل المجتمع في هوس جنوني وهستيريا جماعية لا مثيل لها. طوابير أمام المسالخ وكأنها طوق نجاة آخر. شجارات عنيفة بين جيران هدأوا طوال العام على نعمة النسيان. نساء تتشاجر على "كتف خروف" في السوق، فيخرج الواحد منهن وقد خسرت "ربع أسنانها" ونصف "كرامتها". صراخ، شتائم، صفع، عراك، مساومات شرسة، وأخيرا "ضرب بالمدق" على رأس من سبق في الطابور. وكأنّ القيامة ستقوم، والأمّة الإسلامية ستنهار وتنفى على بكرة أبيها، إن لم يؤمّن المواطن "قطعة من الخاصرة" في اليوم الأول.


ثم يسألك أحدهم بغضب المتّهم: "أتريدنا أن نترك شعيرة الأضحية؟"

لا يا سيدي، افعل ما شئت. اذبح عشرة إن استطعت. لكن كفّ عن تمثيل دور "الزاهد العابد" الذي يحمل همّ الدين على أكتافه، وهو في الحقيقة لا يحمل سوى همّ "الضلع المشوي" ومخزون المجمّد للسنة القادمة.


دعونا نختبر صدق النوايا فقط، باختبار بسيط مدمّر؛


تخيّلوا لو أن الشرع قال فجأة: "الأضحية كلّها للفقراء، لحما وشحما وجلدا ولا يجوز لصاحبها أن يأكل منها شيئا ولا حتى "مرق العظم" أو "الأرجل"."


كم واحدا كان سيقف في طوابير المسالح يوم العيد؟

كم واحدا كان سيدّخر من راتبه طوال السنة من أجل "خروف نعج"؟

كم واحدا كان سيبكي ويتشهّر بسبب ارتفاع الأسعار؟

وكم واحدا كان سيشتري خروفا سمينا ليسلّمه كاملا لمحتاج جائع، ثم يعود إلى بيته ليتناول صحن عدس خال من الدهون؟


الجواب معلوم، موجع، فاضح، ومثير للاشمئزاز. 

"إلّا من رحم ربّك". فالنّاس لا تبكي على الشعيرة، تبكي على ضياع الوليمة، وتقطيع اللحم، وتوزيعه على الأقارب الذين يملكون ثلّاجات مكتظّة، وطبقة الفقراء المسكينة التي تنتظر فضلات الموائد، لا نصيبها المفترض.


مع أن الشرع أصلا أمر بقسمة عادلة: ثلث لكم، وثلث للفقراء، وثلث للهدايا والأقارب. لكن حتى هذا التفصيل صار عند كثيرين "مقترحا مزعجا" يهدّد مخزون الثلاجة والمجمّد العميق. فيفتي لنفسه بأن "الفقراء لا يحبّون اللحم الطري" أو "ربما يمرضون إذا أكلوه".


،؛، العيد، في أصله، ليس مهرجان تخمة جماعية ولا بطولة شواء في الشرفات. ،؛،


العيد تذكير مزلزل بأن إبراهيم كان مستعدا أن يقدّم ما يحبّ؛ ابنه، وحيده، فلذة كبده. وأنّ إسماعيل سلّم نفسه راضيا مختارا. 

تضحية مزلزلة في حقيقتها، عظيمة في رمزها، تتحدّث عن الطاعة، والتجرّد، والحبّ والإيمان الذي لا يعرف المنطق الأرضي الذي عليه تعيشون وتودّون الخلود فيه.


أمّا أنتم، فقد قدّمتم ماذا؟ فيديوهات شواء على تيك توك؟ صور "ستوري" للضلوع المتفحّمة؟ مسابقات "أكبر خروف مشوي" في العائلة؟ ثم نوم ثقيل بنَفَس مُشبع بالدسم إلى حدّ التخمة، وتغطيط على أنغام أزيز الثلّاجة المكتظة باللحم.


شوارعكم باتت مسالخ مهجورة، كأنها بقايا حرب فناء. دماء تسيل في كل ركن من الأحياء أمام مرأى الأشجار والنبات، أكوام تبن وخراء وجلود متناثرة، ونفايات تتكدّس أمام العمارات والبنايات وأسوار المؤسّسات التعليمية، روائح تختنق بها الأحياء كأنّها مدينة محاصرة بالجيف. ثم تجلسون على كراسي بلاستيكية حول صواني المشاوي، تلتهمون "الدوّارة" والكباب والنقانق محلية الصنع، تتجشّؤون بصوت مرتفع بركة على النعمة، وتغطّون في "نوم تعبّدي" يعقبه شخير مقدّس حتى أذان العصر.


وبعد كل هذا الدمع والدم والدهون… تقولون: "نضحّي لله."


يا قوم.. الله لا يجلس معكم على المائدة المستديرة، ولا ينتظر حصّته من الكبد المحمّر بالفلفل. الله لا يحتاج لحومكم ولا دماءكم، قالها بوضوح قبل 1400 عام: "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم".


التقوى؟ أين التقوى في غشّ جارك؟ في أخذ رشوة؟ في حرمان يتيم نصيبه من الميراث لأنك "أولى بالمال"؟ في صفقة ربا أغلقت مصنعا وأفلس مئة عامل؟ في أكل حقوق الناس بالباطل، ثم تأتي بخروف سمين كأنّك تشتري صكّ غفران؟


الله يحتاج منكم ما تهربون منه طوال العام؛ قلبا نظيفا من الأنانية والحقد والضغينة، ومالا حلالا لم تشعره بألم الغصب، وإغاثة للمحتاجين في يوم ينبغي أن يفرح فيه الجائع قبل الشبعان، لا للشوّاية. ورحمة بالفقراء لا تظهر فقط عند توزيع لحم ثلثيه شحم ملتفّ في كيس أسود وكأنه نفايات وأنتم تنظرون إليهم بسخرية وعلوّ وتفاخر، وعدلا بين الناس لا يتبخّر بعد العيد كما تبخّر الدخان.


إن غابت هذه..

فكل ما تفعلونه ليس شعيرة، وإنما عرض مسرحي روحاني من إنتاج موسمي. لحم، دم، تمثيل، تصفيق ذاتي.. ثم نسيان.


كلوا، واشربوا، واشووا كما تشاؤون، وتمدّدوا على ظهوركم بأفواه مفتوحة حتى الفجر. وأنتم ترون كل يوم كيف تذبح أطفال أرض العزة والضفّة والجنوب، وأجسادهم تصير أشلاء في مجازر حقيقية، لا "تضحية شعائرية". كيف يضحّون بشرا بأبشع الطرق، وأنتم تبحثون عن "خروف بأرخص سعر".


لكن وفّروا علينا هذا التمثيل الثقيل الذي يقطر رياء ودسما.


على الأقل،

اصمتوا.

لا تخرموا ذرات الهواء بخطب تقوى تخرج من أفواه تقطر شحوما، ومن بطون امتلأت حتى آخر نفس بالحرام المغلّف باسم الضيافة.


وعليه حقا أقول لكم؛

يا قوم، العيد لا يعدّ سوقا للبضاعة الأخلاقية المخفّضة. أو "كوبون خصم" على الذنوب. أو فرصة لتخزين اللحم في الفريزر، بينما الجوعى يموتون على الأرصفة في صمت.

 ترون بأعينكم شاحنات نقل الخراف مكتظة، الحيوانات تجرّ من آذانها، تصفع على وجوهها، تربط في الشمس لساعات بدون ماء، ثم تذبح أمام أمهاتها وأبنائها، والدماء تتفجر، والأحشاء تُنتزع، والأطفال يصفقون ضاحكين ظنا منهم أن هذا "مسرح دموي ممتع". ثم ترمى الجلود في الزبالة، وتُلقى العظام في الشارع، ورائحة الموت تملأ الأرجاء، وترفعون أنظاركم للسماء قائلين: "اللهم تقبّل منا، إنك أنت السميع العليم".

 ترون المحتاجين يقفون على الأبواب ينتظرون "صدقة العيد" التي لا تأتيهم إلا متأخرة، باردة، وبكميات مهينة، وكأنها نوع من "الإحسان المذلّ". وإن كان العيد لفقراءكم فقط لتركتم الشعيرة وأقسمتم أنها "بدعة"!

حقيقة أن هذا الدين بعيد كل البعد عن الوليمة والطقوس الاستعراضية، يتجاوز المسلك الاجتماعي لتربية الذات. الدين هو: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". فأين هي مكارم أخلاقكم في شهر ذي الحجة، غير الشواء والتباهي والاستعراض، والجهاد قائم، والحجّ والعيد الاضحى الذان من المفترض أن يتم إلغاؤهما.


أرأيتم؟ التضحية كيف غدت "كسوة أخلاقية" يرتديها المنافقون في يوم واحد، ثم يخلعونها في اليوم التالي ليعودوا إلى غشّهم وكذبهم وظلمهم وجبروتهم. وكأن الله لم يقل: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". وكأن الرسول لم يقل: "من غشّ فليس منا".

ماذا إن "ضحّيتم بأنفسكم" بدلا من الخراف؟ تخيلوا لو قيل: "كل واحد فيكم يقدّم أسبوعا من خدمته للمحتاجين، أو يتبرّع بربع راتبه لبناء مدرسة في قرية فقيرة، أو يقضي يوم العيد مع مريض وحيد في المستشفى، أو يصلح خلافا عائليا مزمنا، أو يردّ المال الحرام إلى أصحابه". كم واحدا كان سيفعل ذلك؟ كم واحدا كان سيتطوّع؟ كم واحدا كان سيقول: "هذه فكرة رائعة" بدل أن يقول: "هذا بدعة وإفساد للدين"؟

الجميع يريد أن يضحّي بغيره، لا بنفسه. الجميع يريد أن يريق دم خروف بدل أن يجاهد هواه. الجميع يريد أن يشتري "راحة البال" بثمن كيلو لحم في السوق. وما أسهل الدين على من يستسهل. وما أثقل الحقيقة على من يهرب منها.


في نفس الأيام التي تذبحون فيها الخراف احتفالا بتضحية إبراهيم، تذبح أجساد الأطفال في فلسطين تحت القصف. في نفس اللحظات التي تتباهون فيها بأسعار الخراف، تسيل دماء الأبرياء على أرض هي نفس الأرض التي مشى عليها إبراهيم وإسماعيل. تضحّون بخروف واحد، ويضحّون بآلاف الأطفال لإخوانكم يوميا. وتقولون: "اللهم تقبل". أي تقبل هذا يا رب؟ أي دين هذا الذي يبكي على خروف ويسكت عن دم إنسان؟

وهذا هو الخبر اليقين، وهذا هو الفصل ليس بالهزل. فاعتبروا يا أولي الأبصار.

NameEmailMessage