JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Startseite

لا أحد يستطيع ركوب ظهرك إلا إذا انحيت.



يا من علمك الخوف أن تنحني، و يا من أقنعك الحب الكاذب ، أن الانكسار فضيلة. توقف لحظة ، و انظر إلى ظهرك، كم حمل ما لم يكن له، و كم أدمى ما لم يكن يستحق.

لو تأمَّلنا حياةَ كثيرٍ من الناسِ بعينٍ فاحصة، لاكتشفنا أنَّ أعمقَ جراحِهم لم تأتِ من عدوٍّ يتربَّص، ولا من غريبٍ يتجنَّى، بل جاءت في معظمِها من قرارٍ صغيرٍ اتَّخذوه في لحظةٍ من لحظاتِ الضعف: قرارُ الانحناء.

وتلكَ الحكمةُ العميقةُ التي تقول "لا أحدَ يستطيعُ ركوبَ ظهركَ إلا إذا انحنيت" ليستْ اتِّهاماً للإنسانِ بل هي دعوةٌ للمراجعةِ الصادقة مراجعةُ الذاتِ أمامَ أسئلةٍ لا مفرَّ منها: كم مرةً أذِنتَ لغيركَ بما لا ينبغي؟ وكم مرةً سمَّيتَ خضوعَك فضيلة؟

 الانحناءُ المُكتسَب:

لا يولدُ الإنسانُ منحنياً، بل يتعلَّمُ الانحناء. تُعلِّمُه إيَّاه بيئةٌ أقنعَته أنَّ الاحتجاجَ وقاحة، وأنَّ الرفضَ عقوق، وأنَّ السكوتَ على الأذى صبرٌ محمود. وشيئاً فشيئاً يتحوَّلُ هذا التعلُّمُ إلى طبيعةٍ ثانية، فيُصبحُ الإنسانُ لا يُفكِّرُ في الانحناءِ بل ينحني تلقائياً، كمن نسيَ أنَّه كانَ يوماً واقفاً.

وأخطرُ ما في هذا الانحناءِ المكتسَبِ أنَّه يرتدي أثواباً جميلة: يُسمَّى تارةً تواضعاً، وتارةً إيثاراً، وتارةً حُبّاً. وفي كلِّ مرةٍ يرتدي فيها ثوباً جديداً يزدادُ صاحبُه اقتناعاً بأنَّه يفعلُ الصواب، بينما هو في الحقيقةِ يُوسِّعُ الهوَّةَ بينَه وبينَ نفسِه.

 الكرامةُ ليستْ ترفاً:

يُخطئُ من يظنُّ أنَّ الحديثَ عن الكرامةِ النفسيةِ ضربٌ من الأنانية، أو نوعٌ من الترفِ العاطفيّ الذي لا يليقُ إلا بأصحابِ الأوقاتِ الفارغة. الكرامةُ في حقيقتِها ليستْ رفاهية، بل هي الأساسُ الذي إن تهاوى تهاوى معهُ كلُّ شيء ، العلاقاتُ والصحةُ النفسيةُ وحتى القدرةُ على العطاءِ الحقيقيّ.

فالإنسانُ الذي أُفرِغَ من احترامِ ذاتِه لا يُعطي حين يُعطي، بل ينزِف. وفرقٌ جوهريٌّ بينَ من يمنحُ من امتلاءٍ وبينَ من يمنحُ من خوفٍ أو حاجةٍ إلى القبول. الأوَّلُ يُغني مَن حوله، والثاني يستنزفُ نفسَه دونَ أن يُشبِعَ أحداً حقَّ الإشباع.

الاستقامةُ فِعلُ شجاعة:

وحينَ يُقرِّرُ الإنسانُ أن ينتصبَ قائماً بعدَ طولِ انحناء، فإنَّه لا يُواجِهُ فقط مَن اعتادوا ظهرَه ،بل يُواجِهُ أيضاً نفسَه، وكلَّ الأصواتِ الداخليةِ التي تُهمِسُ له: ستُزعجُهم، ستخسرُهم، ستبدو متغيِّراً.

غيرَ أنَّ الاستقامةَ الحقيقيةَ لا تعني القسوة، ولا تعني قطعَ الصلات ،بل تعني إعادةَ بنائِها على أساسٍ أصدق. تعني أن تقول بهدوءِ الواثق: أنا هنا، لكنَّني لستُ هنا لأُحمَل.

وحينَها فقط تبدأُ العلاقاتُ الحقيقيةُ ، تلك التي لا تقومُ على استغلالِ الطيبينَ بل على التقاءِ الأحرار.

في نهايةِ كلِّ تأمُّل، يعودُ الإنسانُ إلى نفسِه يسألُها: أينَ انحنيتُ وكانَ يجبُ أن أقف؟ وأينَ صمتُّ وكانَ يجبُ أن أتكلَّم؟

وليستِ الإجابةُ عن هذه الأسئلةِ ندماً مُقيِّداً، بل هي وعيٌ مُحرِّر . ذلكَ الوعيُ الذي يُمسِكُ بيدِ الإنسانِ ويقول له:

لم يفُتِ الأوان. قُم.

"مَن عرفَ قيمةَ نفسِه لم يحتَجْ أن يُعلِنَها، يكفي أن يعيشَها."

أبو سلمى 

مصطفى حدادي.

NameE-MailNachricht