في خضمّ الضجيج الذي يملأ عالمنا اليوم، يقف الإنسان أمام تساؤل مصيري: لماذا أضحى "العُري الفكري والأخلاقي" بضاعةً رائجة، بينما تراجع "الستر والقيمة" ليصبحا عملة نادرة؟
لقد استيقظنا على واقعٍ فُتحت فيه أبواب البيوت على مصراعيها، للقاصي والداني، عبر شاشاتٍ صغيرة، فتهتكت الستور، واستبيحت الحرمات، وغدت الخصوصية مشاعاً تحت مسميات برّاقة كـ "المواكبة" أو "الحرية". لكن الحقيقة المرّة هي أننا نواجه مجتمعاً مادياً يحاول تجريد الإنسان من الأمانة العظيمة التي ائتمنه الله عليها.
يقول الله تعالى في محكم كتابه:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]
هذه الأمانة ليست مجرد فرائض تؤدى، بل هي استخلافٌ يقتضي صون النفس، وحماية البيت، وحفظ القيم. فكيف نجترئ على تلوث هذه الأمانة بالسير خلف سبلٍ ندرك تماماً أنها تفضي إلى التهلكة؟ إن تكريم الله للإنسان بالعقل لم يكن تشريفاً بلا تكليف، بل هو "بوصلة" فطرية للتمييز بين السلعة المبتذلة التي يتراكم عليها الذباب لفسادها، وبين الجوهر المصان الذي يحفظ كرامة صاحبه.
انحدار المعايير: لماذا يُرفض "الغلاف"؟
من عجائب هذا الزمن، أن السلعة المعروضة بابتذال تُسوق على أنها "جودة" ورقيّ، بينما يُنظر للمتمسك بمبادئه وقيمه على أنه "منعزل" أو "متخلف". إنها القناعات المزيفة التي لا تمت لدين أو إنسانية بصلة. نحن نعيش في "عصر التزييف" حيث يُستهدف حائط الصد الأخير—الأسرة—لتفكيكها وتحويل أفرادها إلى مجرد أرقام في معادلة الاستهلاك الجشعة.
نداء الاستيقاظ
ألم يحن الوقت لنستيقظ من هذه الغيبوبة الأخلاقية؟ ما قيمة الإنسان إذا تجرد من إنسانيته، ودينه، ومبادئه؟ إن العودة إلى الذات والتمسك بالهوية الإنسانية والدينية هي سفينة النجاة الوحيدة في هذا الطوفان المادي.
يقول الله عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وقودهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]
وقاية الأهل لا تقتصر على النجاة من نار الآخرة فحسب، بل تبدأ بحمايتهم من "نار التحلل الأخلاقي" والضياع الذي يلتهم قيمنا ويقوض مجتمعاتنا اليوم.
بيوتنا هي حصوننا، وقيمنا هي هويتنا. لا تجعلوا من "المجتمع المادي" قائداً يقودكم إلى التيه والهلاك. تذكروا أن العقل هو الميزان، وأن الأمانة التي سنُسأل عنها تبدأ من "وعينا" بما ننشره، وما نشاهده، وما نسمح له باختراق قدسية منازلنا وعقول أبنائنا.
بقلم شذى الموسوي
