اللون يقاوم ؛ اللوحة تقاوم ؛ الحلم يقاوم..إنها مقاومة بعيدة المدى ؛ طويلة النفس.. وهذا ما أدركه عبدالرازق عكاشة وهو يبذل حوالي عامين من جهده ووقته لإبداع جدارية (غزة في القلب) .. وهذا هو موضوع مقالتي الأسبوعية (انطباعات فنية) بجريدة المساء.
--- حزين عمر
غزة..في قلب الإنسانية
جدارية عكاشة ..مقاومة التوحش بالألوان !!
-------------------------------------------------
المقاومة ليست بالبارود والنار فحسب..التصدي لليأس والعدمية مقاومة..فضح الفساد والتردي والتواطؤ مقاومة..مواجهة القبح والدمامة في كل شيء مقاومة..أما الأدوات فهي - مع النار والبارود - القلم والريشة والنغمة والحلم.. ولا يفعل عبدالرازق عكاشة أقل من هذا طوال عقود حياته المتنازع عليها بين مصر: حيث الريف الصامد؛ وفرنسا: حيث الوجود الصاخب.
من يتتبع حياة هذا المبدع لا يرى فيها غير وجه المقاومة ؛ الذي لم يتشوه ولم ينكسر ولم يمالئ ..فكثيرون مثله حينما ارتموا في أحضان الغرب مغتربين عن وطنهم ؛ اغتربوا كذلك عن مشكلات هذا الوطن وجروحه النازفة بفعل الغرب وبعض أبنائه على مدى قرنين من الزمان..وآخر هذا النزف وأحدثه إبادة غزة على يد المتوحشين الذين ابتلى الله بهم البشرية جميعا والعرب بخاصة!!
بين القلم والريشة
يترصد عكاشة ؛ ويواجه؛ ويتصدى؛ ويكشف كل أشكال التردي والعدوانية والقبح ؛ عبر وسائل أتاحتها له مواهبه: القلم والريشة ..فهو مناوئ لتردي المجتمع في وهدة الاستهلاك والنفعية من خلال أعماله الروائية :(الشرابية) و(نوال)و(فتحية) ..وهو حاد جدا وسريع الانفعال - كطفل برئ - قد لا يسعفه القلم ولا الريشة واللوحة واللون ؛ فينهال كشفا وفضحا على هذه المظاهر عبر الفيسبوك!! قبل أن تصفو روحه ؛ وتهدأ انفعالاته؛ وتميل نفسه إلى رصانة التفكير والإبداع؛ فيذهب - خلال حوالي عامين - إلى مرسمه ؛ وهو متحفه في الوقت نفسه: متحف"دارنا" ؛ ليرصد هذا التوحش الصهيوأمريكي ضد أطفال غزة ونسائها وشيوخها : تقتيلا وتشريدا وتخريبا لكل شيء حتى الهواء والماء!!
يمسك عكاشة بألوانه ويوثق شهادته الصامتة الصارخة على هذه الإبادة البشرية ؛ في جدارية كبرى - ٣٠ مترا - تحمل عنوان:(غزة في القلب) بكل ظلاله المعنوية ..وتجد جداريته حضنا دافئا لها في مركز الهناجر ..وتجد كذلك احتفاء وإقبالا وهدهدة من نخب ثقافية وطنية محترمة ؛ تحضر افتتاح هذا الحدث وتشد من أزر صاحبه وتثني على تجربته التي نزفها من روحه وأمسك بتلابيبها ؛ أو إن شئت فقل :"حنطها" كما حفظ أجدادنا مومياواتهم المهمة!! فما نراه من وحشية العدوان في غزة الجريحة والملقاة على قارعة الخزي الإنساني وانطفاء الضمير الجمعي؛ سوف ينتهي ويزول بدون شك..وسوف ينتهي معه هذا الكيان السرطاني في جسد البشرية ؛ كما انتهى من قبل ..وربما بعد قرن أو قرون لا يذكر أحد أثرا لهذا الكيان الوحشي الذي غرسه الغرب شوكة أو طعنة أو "غزة" في قلبنا..لكن ستبقى جرائمهم ماثلة للعيان وشاهدة في التاريخ عبر هذه الجدارية المتفردة التي نراها عبئا ضخما لم يكن من المتيسر لعكاشة وحده أن يقوم بها ..لكنه فعل.
في قلب المأساة
إنه التحدي..إنه المقاومة التي اختار طريقها ..وقد أتقنها كل الإتقان؛حتى إننا ونحن نشهد هذه الجدارية ننصرف تماما عما حولها من شهود وزحام ؛ ونرى أنفسنا في قلب المأساة وهذا الصراع بين الخير والشر؛ بين رغبة الحياة وأدوات الموت؛بين أصحاب الأرض - كما عبر المسلسل الشهير - وبين الطارئين عليها الناهبين خيرها والقاتلين أهلها..
خاض عكاشة مقاومته متحديا تحديا فنيا..فهو لم يتخذ في غالبيتها الغالبة إلا اللونين : الأبيض والأسود؛ وسيلة لتجسيد الحدث/المأساة..وليس هنالك سوى خمس لوحات بالألوان ؛ هي كذلك تسير في اتجاه المقاومة ؛ أبدعها منذ سنوات قبل العدوان الأخير على غزة..منها لوحة لمقاومة أحمد باشا الجزار للعدوان الفرنسي على عكا في غزوة نابليون..وهنا نعود إلى اختيار الولاء لدى الإنسان: فهذا الفنان فرنسي التجنس ؛ مثلما هو مصري النشأة . لكن هواه وولاءه الحاسم لوطنه مصر ووطنه العربي. حتى إنه - على طريقة أهلنا الصعايدة - يذهب إلى الغربة ليجمع المال ويعود إلى قريته ليبني بيتا ويشتري أرضا ويعود مزارعا!! فهو لم يتجاوز هذا السيناريو : عاش بباريس نصف عمره ؛ وجمع ما تيسر له من مال ؛ وعاد به إلى بلده لينشئ متحف" دارنا " في القاهرة : منفذا للثقافة والوعي والتواصل الحضاري ؛ وومضة للدارسين والمتعلمين.
تحدي عكاشة في جداريته ومعرضه هذا في التعويل على اللونين اللدودين: الأبيض ؛ بما يعنيه من أمل وإقبال وبشرى ونظافة وضوء ووضوح ؛ في مواجهة الأسود ؛ بما يحمل من قتامة وثقل وظلم وظلمة وخوف وتوجس وافتراس ..في وجداننا البشري. ويستعر الصراع بين اللونين ؛ حتى يكاد الأسود يكتسح كل شيء ..وإن ظهر الأبيض فهو في شكل أكفان وجنازات راحلين ورؤوس متطايرة تحلم بالخلاص والخلود.. وعلى الرغم من هذه الغلبة للأسود فإن كل مساحة في الجدارية يطل منها شعاع أبيض ؛ ولو كان محصورا بعيدا متزحزحا.. فالبقاء في النهاية للحق لا للقوة.
هذا المبدع : ريشة وقلما ؛ ينتمي لسلسلة ذهبية من الأدباء الفنانين ؛ على رأسهم عميد المسرح العربي ؛ الذي لا يقل عطاؤه الأدبي عن عطائه المسرحي ..لكن لا يجرؤ أحد أن يسمي يوسف وهبي (عميد الأدب العربي) في وجود طه حسين!! فيوسف وهبي أبدع أكثر من ستين عملا مسرحيا وسينمائيا ككاتب. . ثم تستمر هذه السلسلة الذهبية في رموز أخرى منها: عبدالرحمن الخميسي ؛ صلاح جاهين ؛ أحمد طوغان؛ عزالدين نجيب؛ خالد الصاوي؛ و عبدالرازق عكاشة : براءة الطفولة ؛ وعناد المقاومة؛ وإصرار الإبداع!!
