JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

متحف الخزف الإسلامي










في قلب حي الزمالك وتحديدا بمركز الجزيرة للفنون تقبع درة معمارية وصرح شامخ يتجاوز حدود الزمان والمكان ..متحف عنوانه الجمال والأناقة ..قد يبدو غريبا في محتواه لكن فكرتة غير التقليدية جعلته الأول من نوعه في الشرق الأوسط ..إنه متحف "الخزف الإسلامي "


أما صاحبه الذي غاب عن لوحات تعريفه بفعل إغفال الزمن ومرض الذاكرة فهو الأمير "عمرو إبراهيم "من الشخصيات الملكية الهادئة التي لا تميل للصخب مع أن ظروفه العائلية كانت تصلح أن تكون مادة لفيلم سينمائي طويل بامتياز أصبح متعثرا اليوم مع تناثر أشلاء معلوماته في أسطر قليلة ببطون الكتب وغياب كافة شهود تفاصيله الدقيقة ..


أميرنا صاحب هذه الحلقة ابن الأمير محمد وحيد الدين إبراهيم وجده الأمير أحمد رفعت باشا ابن إبراهيم باشا الكبير الفاتح العظيم وقد لقى الجد حتفه غرقا -وكان لا يجيد السباحة- في حادث قطار كفر الزيات بشكل غامض ، مشهد خيم عليه شبح المؤامرة في رمضان من عام 1858 م واتهم أخيه إسماعيل باشا بتدبيره ليخلو له عرش مصر ويصبح الأكثر استحقاقا له بعد وفاة عمهما سعيد باشا والي مصر .. 


أما والدته الأميرة "صالحة "ابنة الأمير إبراهيم حلمي بن الخديو إسماعيل فقد جردها الخديو عباس حلمي الثاني- ابن عمها - من لقبها وحقوقها في رعاية أطفالها بعد زواجها الثاني ( توفي الأمير محمد وحيد عام 1906م في حادث سيارة بفرنسا ) من الدبلوماسي الروسي "فلاديمير يوركوفيتش" بالكنيسة البروتستنتية بموسكو وعاشا بفرنسا وحصلت على الجنسية الروسية بموجب هذه الزيجة ومما يروى أنه أشهر إسلامه بعد ذلك وتسمى "عبد الرحمن " وهذا لم يمنع من اعتبار الأميرة مارقة وفعلها خرقا لأعراف وتقاليد الأسرة الحاكمة المصرية ( تكرر الأمر بعد ذلك مع الأميرة فاطمة طوسون ثم الأميرة فتحية فؤاد) وتوفيت الأميرة صالحة عام 1953 م .. 


وللأمير شقيقة وحيدة هي الأميرة "عين الحياة (زوجة الأمير التونسي عادل بن عياد الذي سعت بريطانيا وفرنسا لتنصيبه على حكم سوريا وقد وجد بقصرهما الذي صودر أدوية جرب بحسب أرشيف مجلة الأثنين 1954 م وقد مات الأمير عادل عام 1953م وعين الحياة في سويسرا بعدها بعامين) " ولهما أخ غير شقيق هو الأمير محمد علي إبراهيم المتيم بالملاكمة .. 


ظروف النشأة كما رأينا من وفاة والده وهو في الثالثة من عمره وسريان الأحداث سراعا بعد ذلك من زواج والدته مباشرة وحرمانها من أطفالها جعلت الأمير "عمرو إبراهيم" يعاني آثار اليتم مبكرا فتكفل به وبشقيقته الأمير عمر طوسون وعمته الأميرة "شيوه كار".. 


ما مر بنا من شريط سينمائي ملغم بالأحداث يبدو مستغربا عن حياة القصور التي يراها العوام من خلف أسوارها الشاهقة ساحات للسعادة الدائمة ورغد العيش ..لكنها الحياة تطل بوجهها الحقيقي الذي يتساوى أمامه الغني والفقير .. من هذا نستلهم تأثر الأمير منذ نعومة أظافره بالثقافة والتاريخ بحكم قربه الشديد من الأمير عمر طوسون صاحب الإسهامات التاريخية الفريدة والغزيرة كما أن شغفه بالعمل الخيري ليس مستغربا وقد كانت الأميرة شيوه كار بمثابة الأم له.. 


لذلك من الطبيعي أن للأمير عمرو إبراهيم اهتمامات ونشاطات متنوعة بين قراءة التاريخ كما أسلفنا وممارسة رياضة الفروسية والصيد -كعادات الأمراء من سنه- والترحال والاهتمام بالفنون كما اختار هو والمثقفين القلائل من أسرة محمد علي باشا الكبير .. 


وليس من المستغرب نشاطه الخيري والوطني أيضا فكان من أوائل الأمراء الذين تبرعوا للمدرسة البحرية التي انشأها الملك فؤاد للأيتام وغير القادرين بالإسكندرية بيخته ( سقاريا) المملوك له وثمنه خمسة عشر ألف جنيه وقتئذ وذلك بعد أخيه الأمير محمد علي إبراهيم الذي بادر بالتبرع بيخته هو الآخر ( أرشيف مجلة المصور). كما انضم إلى قائمة الأمراء الموقعين على مساندة ثورة عام 1919م والتي رعاها أبيه الروحي الأمير عمر طوسون فناله من نال الأمراء الذين اختاروا هذا الجانب المناوىء لموقف الملك فؤاد وتم حرمانه من لقب الأمير وصار يحمل لقب "النبيل" شأن المغضوب عليهم .


تعد "دار عمرو " أو " قصر الأمير عمرو إبراهيم المعروف بمتحف الخزف الإسلامي الآن " إحدى التحف المعمارية التي خلدت اسم صاحبها وأطالت عمره التاريخي الخافت وقد حظى بمكانة كبيرة في زمنه أذ اختصته الملكة "مارى " ملكة رومانيا بزيارة طويلة كان فيها القصر الوحيد أثناء زيارتها التاريخية لمصر عام 1930م ( أرشيف مجلة الاثنين والدنيا 1939م ) كما استضاف في ٢٩ يناير ١٩٣٠م الحفلة التي أقامها أول نادي للطيران المصري للاحتفاء بالطيار "محمد صدقي" كأول طيار مصري يخوض هذه التجربة الخطيرة بطيارته الخاصة وحضرها صفوة المجتمع المصري وفيه صيغت إتفاقية الجلاء عام 1954م .. 


جاء بناء القصر في الفترة ما بين عامي 1923م و1925م وقام بتصميمه المهندس الأرمنى "جارو باليان".. الطريف حول هذا القصر أن صاحبه لجأ لحيلة طريفة ليستعيد ما أنفقه فيه من مال كثير حيث طرحه للبيع بواسطة وزارة الأوقاف مشترطا أن يكون البيع حصرا لدائرة عمه المحجور عليه الأمير أحمد سيف الدين ( صاحب الواقعة الشهيرة عام 1898م حينما أطلق الرصاص على الأمير أحمد فؤاد السلطان والملك بعد ذلك وهو شقيق محمد وحيد الدين وشيوه كار من أم واحدة هي الأميرة نجوان هانم حفيدة محمد شريف باشا أبو الدستور المصري.) نظير مبلغ 28600جنيه وهو ما تحقق في 20 فبراير 1935م (سراي الأمير عمرو إبراهيم بالزمالك: دراسة آثارية وثائقية في ضوء وثيقة جديدة تنشر لأول مرة دراسة لمحمد أحمد عبد الرحمن عنب .مجلة الاتحاد العام للآثاريين العرب ) وكان الأمير على يقين من أن القصر سيعود إليه في ميراثه من عمه الذي لم يتزوج ولم ينجب وكانت صحته في تدهور كبير (وربما تسرب هذا لصاحبنا فاستغل الفرصة) بعد رحلة مضنية وشاقة قضاها بين مصحة للأمراض العقلية في لندن سنوات طويلة ثم هرب منها إلى أوروبا ثم استقر في قصر مملوك لشقيقته الأميرة شيوه كار التي تجشم كل هذه المشاق ودفع من عمره وثروته من أجل حمايتها من زوجها الأول الملك فؤاد وقد جاءت وفاته عام 1937م بعد عقد القصر بعامين وبعد وفاة الملك فؤاد بعام ..


من التحف المبهرة والمميزة التي يلمحها الزائروتخطف لبه بلا نقاش في حجرة الاستقبال "المدفأة "المكسوة ببلاطات من القاشاني الرائع (نسبة لمدينة قاشان أو كاشان الإيرانية والبلاط بالفارسية (كاشي) وبنظيرتها العربية تعرب قاشاني) وخزف كوتاهية (المدينة التركية المشهورة به ) بلونه الأزرق وزخارفه من زهور نباتية جذابة ومتنوعة وتأخذ طراز المآذن العثمانية المدببة على شكل القلم الرصاص وتعلو المدفأة عبارة" لا غالب إلا الله "-شعار بني الأحمر ملوك غرناطة و المميز لقصر الحمراء المعبر عن هويتهم وهي آخر معاقل الإسلام بالأندلس- وتنتشر هذه العبارة في أرجاء القصر في تأثر واضح للأمير بهذا الطراز الأندلسي.. ومن بين المقتنيات تمثال لوالده يمتطي حصانا) أرشيف مجلة الاثنين والدنيا 1939 م )


يتألف القصر ( المتحف حاليا) من عدة قاعات تنتمي محتوياتها لعصور شتى هي :


-قاعة الخزف الفاطمي بإجمالي 74 قطعة فنية متنوعة . 


-قاعة الطراز التركي بإجمالي 96 قطعة فنية. 


-قاعة الطراز المصري المملوكي - الأيوبي - العثماني - الأموي وتشمل 39 قطعة أثرية أكثرها طرافة: إبريق على الطراز الإيراني برأس حيوان .


وقد تمت مصادرة القصر في 9 نوفمبر 1953م بأمر مجلس قيادة الثورة وكان اللواء محمد نجيب لازال في كرسي الحكم ويتصدر المشهد السياسي بقوة باعتباره قائد "الحركة المباركة "فخصص للأمير معاشا بسيطا لا يفي بالتزاماته الحياتية التي اعتادها ولهذا فما تناقله بعض الكتاب من مقولة منسوبة للواء " نجيب" بحق الأمير عمرو إبراهيم :"لو كنت ملكا ما كنا نحن هنا اليوم " هي من قبيل المبالغات التي يحلو لبعض من تبقى من الأسرة المالكة وكتابها الحاليين ترديدها بحثا عن تأكيد المآثر المتفردة لبعض الأمراء البارزين في عقول قراء اليوم إذ أنه وببساطة لم تستثنيه رياح يوليو و لا أثر لها مطلقا في طريقة تعامل الثورة في زمنها مع النخب المثقفة كافة من أسرة محمد علي باشا والتي اختارت الرحيل لضيق الحال مثل حالتنا هذه ( توفي الأمير عمرو إبراهيم في لوزان بسويسرا 1977م )ومثل الأمير محمد علي ولي العهد ( توفي في لوزان أيضا عام 1955م )والأمير يوسف كمال ( توفي في أسترويل النمسا عام 1969م ) وجميعهم من النخب المثقفة ولهم رصيد من رعاية الفنون وكتب الرحلات وقد طالتهم حملة من التشويه التام لجهودهم في صحف تلك الفترة ومن بينها مجلة" التحرير " التي أفردت مساحات كبيرة لذلك على مدار سنوات ..


بقى شق أخير في حياة الأمير عمرو إبراهيم لتكتمل سيرته بين أيدينا وهو حياته العائلية وقد تزوج مرتين .. الأولى من سيرفت أو ثروت هانم سيف الله يسرى (ابنة وزير مصر المفوض في واشنطن وحفيدة محمود سامي البارودي من جهة والدتها) أنجبت له : أمينة، نعمت الله وأنجي. ورحلت في حياته عام 1927 م لتعرف بناته اليتم مبكرا وكأنه مصيرا متوراثا من الأب لبناته ..غير أنه تزوج بعد ذلك من واحدة من جميلات زمنه -هدية الأقدار إليه - وكانت تصغره بربع قرن ألا وهي الأميرة العثمانية نجلاء هبة الله سلطان حفيدة آخر خليفتين عثمانيين (ابنة شاهزاده عمر فاروق بن عبد المجيد الثاني ووالدتها رقية صبيحة سلطان صغرى بنات السلطان العثماني محمد السادس ) وأصبح صاحب المجد أو السمو وقد أنجبت له ولده الوحيد "عثمان رفعت" عام 1951 م .


حقا رحل الأمير وتوارت سيرته واحتجبت ، و لكن بقى أثره خالدا وشاهداً على زمنٍ كان للجمال فيه معنى ، وللفن ذاكرة وذائقة ، وفيه السياسة قدر لا يعرف المهادنة ولا رحمة فيه ولا شفاعة للنبلاء .

د.محمد فتحي عبد العال

كاتب وباحث وروائي مصري


















author-img

journalist

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة