بقلم: د. غادة قنديل
في الوقت الذي يُسحَل فيه الشباب على أبواب البنوك، ويُرهَق بعشرات المستندات والضمانات من أجل شقة تؤويه أو مشروع صغير يحفظ كرامته…
نُفاجأ بأن هناك من يحصل على قروض بالمليارات، ثم يتعثر، وكأن شيئًا لم يكن!
من الذي سمح بإقراض 40 مليار جنيه؟!
وأين كانت لجان الائتمان؟
وأين إدارة المخاطر؟
وأين الضمانات الحقيقية التي تحمي أموال المودعين؟!
ما يحدث ليس مجرد خلل عابر…
بل هو اختلال صريح في ميزان العدالة الاقتصادية.
المواطن البسيط إذا تأخر في قسط “فيزا مشتريات” يُلاحق،
وإذا تعثر في تمويل عقاري تُغلق الأبواب في وجهه،
أما الكبار… فالأرقام لديهم تبدأ من المليار، والنهاية غالبًا “تسويات”!
لقد شهدت مصر من قبل ما عُرف إعلاميًا بقضايا “نواب القروض”،
ولم تكن مجرد حوادث فردية، بل كانت جرس إنذار
ولم تتوقف الوقائع عند هذا الحد،
بل شهدنا في فترات سابقة حالات تم فيها رفع الحصانة عن بعض أعضاء مجلس النواب على خلفية قضايا تتعلق بتعثرات مالية وقروض ضخمة،
وهو ما يكشف أن الخلل ليس في أفراد… بل في منظومة تحتاج إلى إعادة ضبط حقيقية.
إن الجهاز المصرفي، الخاضع لرقابة ،
مطالب اليوم قبل الغد بإعادة هيكلة معايير الإقراض،
وتطبيق قواعد صارمة لا تفرّق بين رجل أعمال ومواطن بسيط.
كما أن دور يجب أن يتجاوز المراجعة الشكلية،
إلى محاسبة فعلية لكل من تورط في تمرير قروض بلا ضمانات كافية أو بدراسات جدوى وهمية.
نحن لا نهاجم الاستثمار…
ولا نحارب رجال الأعمال الشرفاء…
بل نحارب التمييز.
نرفض أن تكون هناك دولة بشعبين:
شعب يُحاسب على الجنيه…
وشعب لا يُسأل عن المليار!ت
نطالب بكشف واضح لحجم القروض المتعثرة،
ومن حصل عليها،
وكيف تم منحها،
ومن يتحمل مسؤولية هذا النزيف.
لأن الحقيقة التي لا يجب أن تغيب:
هذه ليست أموال بنوك… هذه أموال شعب.
وإذا لم تُسترد هيبة الرقابة،
ولم تُفعّل أدوات المحاسبة،
فإن أخطر ما سنخسره ليس المال…
بل ثقة المواطن في دولته.
وحين تهتز الثقة… لا تُبنى الأوطان.
