JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Accueil

ثقافة التواصل بين الكاتب والقارئ عبر الأزمنة والحقب



بقلم / تواتى صالح 

حين نتحدث عن العلاقة بين الكاتب وقارئه فإننا ندخل إلى فضاء دقيق يحكمه التاريخ ويصنعه الحاضر ويحدد ملامحه المستقبل كل نص يولد من صلب تجربة شخصية وخبرة فكرية ويترك أثره المباشر أو الخفي على من يقرأه عبر الزمن لقد شهد الأدب منذ فجر الحضارات على محاولات لا حصر لها لفهم هذا التفاعل بين النص وصاحبه وبين جمهور متلقيه فمن البوادي السومرية إلى المكتبات الإغريقية والرومانية حيث كانت النصوص تُقرأ بصوت عالٍ ويُناقش محتواها أمام جمهور حي كان الكاتب يختبر صدى كلماته في الأذن والوجدان وحتى في المشهد الاجتماعي لقد عبر ابن سينا في كتابه القانون عن محاولات دقيقة لفهم كيف تتفاعل المعاني مع عقل القارئ وكيف تتجدد المعرفة حين تصلها المعلومة بطريقة ملهمة ومباشرة كما فعل جبران خليل جبران في رسائل النور حين جمع بين الشعر والفلسفة وفتح فضاءات من الحلم والتأمل وأثرى بها متلقيه بين الشغف والوعي وفي الأدب الروسي كان لدوستويفسكي توليفة دقيقة بين النفس البشرية المعقدة والقارئ الذي يعيش التجربة معه ويكتشف حقيقته كما كتب تولستوي عن الصراعات الداخلية للبشر وقدرتها على التفاعل مع من يقرأها وتفسيرها كل على طريقته حتى الأدباء الغربيون أمثال جيمس جويس وجورج إليوت وهنري جيمس فتحوا أبواب النص للقارئ ليعيش التجربة دون أن يسقط تحت ثقل القلم أو سلطة المؤلف هذا التفاعل لم يكن دائما سلسا أو محايدا فقد شهد التاريخ أمثلة على معاناة الكاتب أمام متلقيه وأمام جمهور كان يتعمد تقليص النص أو إسقاطه أو حتى إعادة تفسيره خارج سياقه وقد مرت حادثة معينة دون أن نذكر صاحبها ولكنها علّمت الكثيرين درساً في التواضع وأهمية إدراك أن حضور النص لا يعتمد على شهرة الكاتب وحدها بل على نقاء الفكرة وصدق التجربة وحين نعود إلى العصر الحديث نجد أن الكتابة لم تعد مجرد نص مكتوب بل تجربة متعددة الأبعاد تشمل الفضاء الرقمي والاجتماعي والتلفزيوني والسينمائي وقد تحولت روايات وقصص إلى مسلسلات وأفلام وسيناريوهات تتفاعل مع جمهور متلقي جديد لم يعد يقرأ فقط بل يرى ويشاهد ويتفاعل ويتأثر بالصور والصوت والحركة وأصبح لكل نص بعد جديد لا يقل أهمية عن الكلمات نفسها وتكشف التجارب المعاصرة عن حساسية القارئ وقدرته على استشعار الصدق أو التباعد بين الكاتب وقارئه وأن تجاهل الكاتب لجمهوره أو الاكتفاء بالظهور البصري أو الإعلامي قد يولد فجوة بين النص وصاحبه وهذا ما لاحظه النقاد حين يتعامل البعض مع جمهورهم بطريقة سطحية أو متغطرسة بينما كان المبدعون الكبار عبر التاريخ منذ هوميروس وشكسبير وديكنز وهاينريش هاينه في ألمانيا وحتى الأدباء العرب مثل نجيب محفوظ وطه حسين وجبران خليل جبران يحرصون على جعل النص حيّا أمام المتلقي ليكون حاضراً في الفكر والوجدان بلا قيد ولا حاجز وهذه الثقافة ليست مسألة تقدير شخصي بل قاعدة فكرية رصينة تمثل جسراً بين النص وقراءه بين الإبداع والوعي وبين التجربة والعيش كما أن التاريخ شهد على أن بعض الأعمال كانت مظلومة أو محجوبة عن الجمهور لأسباب اجتماعية أو سياسية أو اعتبارات ثقافية ومع ذلك بقيت حاضرة في وجدان من قرأها أو بحث عنها أو أمعن النظر فيها كما أن بعض النصوص الكبيرة لم تلق التقدير في زمنها لكنها صمدت ونجت بفضل الانطباع المباشر للقراء الحقيقيين الذين شعروا بها وأحبوها وجعلوها جزءاً من حياتهم ومن فهمهم للعالم وهنا يظهر دور الكاتب في تحمل مسؤولية النص والتواصل مع القارئ بشكل صادق وشفاف دون خداع أو مظاهر زائفة كما أن القارئ يحمل مسؤولية التفاعل بوعي وصدق مع النص وإدراك أن أي تقليص أو إساءة فهم ليست سوى انعكاس لقوة النص وليس ضعفه فكل تجربة قرائية هي لحظة صراحة بين الإنسان والكلمة وبين صدى الفكر والروح وبين الكاتب والمجتمع إن هذا المقال يهدف إلى قراءة هذه المسافة الدقيقة بين النص وصاحبه وجمهوره ليكون مرجعاً لفهم العلاقة بين الكاتب والقارئ عبر العصور وإدراك أن التواصل الحقيقي ليس مجرد تبادل كلمات بل تجربة حية تتطلب حضور القلم والوجدان والصدق والاحترام لكل من يقرأ ويكتب وفي النهاية يظل التاريخ شاهداً على أن الكاتب العظيم لا يقتصر أثره على ما كتب فحسب بل على القدرة على إحياء النص لدى من يقرأه ليصبح جزءاً من فكره وحياته ووعيه وتجربته الإنسانية وكل محاولة لفهم هذه العلاقة هي دعوة للقارئ والمبدع للعيش معا في فضاء النص والروح دون قيود أو تصنع أو حسابات ضيقة ليبقى الحضور حقيقياً والنص حيّاً والقراءة تجربة متجددة تفتح الأفق على ما يمكن أن يكونه الفكر والوجدان معاً

NomE-mailMessage