بقلم د/ غادة قنديل
في
مجتمعٍ يُفترض أنه قائم على الرحمة والتكافل، تتحول بعض القضايا الإنسانية
إلى مشاهد موجعة تكشف خللًا عميقًا في منظومة القيم قبل أن تكون أزمة
قوانين. واحدة من أخطر هذه القضايا هي استهانة البعض بحقوق أبنائهم،
والتعامل مع النفقة وكأنها “منة” تُمنح، لا واجبًا أصيلًا يُحاسب عليه
الإنسان أمام الله والقانون.
القصة
ليست مجرد أرقام تُكتب في أحكام محاكم، بل حياة تُرهق، وأم تُستنزف،
وأطفال يُحرمون من أبسط حقوقهم. حين يكون دخل الأب كبيرًا، وتأتي النفقة
أقل بكثير من الحد الأدنى الذي يضمن حياة كريمة، فإننا لا نتحدث فقط عن ظلم
فردي، بل عن خلل في آليات التقدير والرقابة والتنفيذ.
الأخطر
من ذلك، أن بعض الأمهات يُدفعن دفعًا إلى حافة الانهيار، بين مسؤولية
إعالة الأبناء، وضغوط الحياة، وانعدام الدعم المجتمعي الحقيقي. فتتحول رحلة
البحث عن عمل إلى معاناة إضافية، وقد تنتهي – كما في قصص مؤلمة – دون أن
تجد هذه السيدة يدًا تُنقذها.
اجتماعيًا، نحن أمام ظاهرة تحتاج إلى وقفة صريحة:
هل أصبح التهرب من النفقة نوعًا من “التحايل المقبول”؟
وهل يُعقل أن يُترك أطفال رهينة لنزاعات مادية بينما يعيش الأب حياة مرفهة بلا مساءلة حقيقية؟
أما سياسيًا، فالقضية تتجاوز الأفراد إلى مسؤولية الدولة والمشرّع. نحن بحاجة إلى:
- مراجعة حقيقية لقوانين الأحوال الشخصية بما يضمن عدالة تقدير النفقة وفق الدخل الفعلي.
- آليات رقابية صارمة على مصادر دخل المُنفق، خاصة العاملين بالخارج.
- تسريع إجراءات التقاضي والتنفيذ، لأن العدالة البطيئة هي ظلم آخر.
- تفعيل دور مؤسسات الدعم الاجتماعي لحماية الأمهات غير القادرات.
إن بناء مجتمع قوي لا يبدأ من المشروعات فقط، بل من حماية أضعف حلقاته: الأطفال. هؤلاء الذين لا صوت لهم، لكن صمتهم يفضح كل تقصير.
الرسالة واضحة:
النفقة ليست اختيارًا… بل مسؤولية أخلاقية وقانونية.
وكرامة المرأة ليست مجالًا للتفاوض… بل خط أحمر.
وفي النهاية، قد تفلت بعض الحقوق في الدنيا، لكن تبقى العدالة الإلهية التي لا 7 لا نفوذ ولا تحايل… بل حساب عادل
