JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Accueil

مقال مفتوح جرحه لضماد السلام

 



لم يعد العدوان في صورته المعاصرة مجرد حربٍ بين جبهتين، أو صراعٍ على حدودٍ مرئية، بل تحوّل إلى منظومةٍ معقّدة تتغلغل في بنية العالم، وتعيد تشكيله وفق إيقاعٍ يختلط فيه التقدّم بالتدمير، والاختراع بالفناء.
كأن البشرية، وهي تصعد سلّم المعرفة، تحمل في يدها الأخرى معول الهدم، فتشيّد حضارتها وتُقوِّضها في آنٍ واحد.
منذ البدايات الأولى، كان التطور استجابةً للحاجة؛ النار للدفء، الأدوات للبقاء، ثم جاءت العقول لتفتح أبوابًا لم تكن تُرى.
لكن مع اتساع دائرة الاكتشاف، بدأت الأسئلة تتبدّل: لم يعد “كيف نعيش؟” هو السؤال الوحيد، بل “كيف نهيمن؟” و”كيف نضمن التفوّق؟”.
هنا انحرفت البوصلة، لا لأن المعرفة فاسدة، بل لأن اليد التي تحملها لم تعد بريئة.
في قلب هذا التحول، وُلدت ما يمكن تسميته “قلائد الفكر”؛
تلك المنظومات النظرية والتقنية التي يُفترض أن تزيّن عنق الإنسانية، لكنها كثيرًا ما تحوّلت إلى أطواق خفية تخنقها.
أفكار عن القوة، عن السوق، عن السباق المحموم نحو السيطرة، تُقدَّم في هيئة تقدم، بينما تخفي في جوهرها نزعة افتراس.
ومع كل قفزة علمية، كانت هناك قفزة موازية في أدوات الفناء، حتى صار الاختراع نفسه يقف على الحدّ الفاصل بين الإنقاذ والإبادة.
الحروب لم تعد استثناءً، بل صارت جزءًا من دورة الإنتاج.
الكوارث لم تعد مجرد نتائج عرضية، بل أحيانًا أدوات ضغط، أو أوراق تفاوض.
وفي هذا المشهد، تتقدّم البشرية كغابةٍ كثيفة، لا ينجو فيها الأقوى أخلاقيًا، بل الأقدر على التكيّف مع منطق الصراع.
غابةٌ تتكاثر فيها أسراب الوجع، وتتشابك فيها المصالح حتى يغدو التمييز بين الفاعل والضحية أمرًا بالغ التعقيد.
لكن الأثر الأعمق لا يُرى في خرائط السياسة وحدها، بل في تفاصيل الإنسان الفرد.
حين يعيش الإنسان في عالمٍ مهددٍ باستمرار، تتلوث أولًا معاييره الداخلية. يعتاد الخوف حتى يصير جزءًا من وعيه، ويعتاد العنف حتى لا يعود صادمًا.
تتبدّل القيم بصمت؛ يصبح البقاء غاية تبرّر الوسيلة، ويغدو الضمير قابلًا للتأجيل، أو للتكيّف.
هنا لا يكون التدمير خارجيًا فقط، بل داخليًا، يصيب الروح قبل أن يصيب الأرض.
ومع تراكم هذا الواقع، ينشأ جيلٌ يرى العالم من خلال شقوقه، لا من خلال آفاقه.
جيلٌ يتربّى على صور الدمار أكثر مما يتربّى على صور البناء، فيكبر وهو يحمل تصورًا مشوشًا عن معنى الإنسانية نفسها.
وهذا أخطر ما في الأمر؛ لأن انهيار المعنى يسبق دائمًا انهيار البنيان.
فأين موقع هذه “القلائد الفكرية” في كل ذلك؟
إنها تقف اليوم عند مفترق طرق: إما أن تظل أدوات في يد صراعات عمياء، تُغذّي سباق الفناء، أو أن تُعاد صياغتها ضمن رؤية إنسانية ناضجة، تُدرك أن التقدم الحقيقي لا يُقاس بما نملكه من قوة، بل بما نحافظ عليه من حياة الفكر، في جوهره، ليس أداة هيمنة، بل أداة وعي؛ وإذا فقد هذه الوظيفة، تحوّل إلى عبءٍ أخطر من الجهل.
إن النصيحة التي تخرج من قلب هذا المشهد ليست دعوة مثالية حالمة، بل ضرورة وجودية.
لا يمكن للبشرية أن تستمر في هذا المسار دون أن تعيد مساءلة نفسها بصدق: ما الذي نطوره؟ ولماذا؟ ولصالح من؟ وهل ما نعتبره إنجازًا اليوم، لن يتحول غدًا إلى تهديدٍ شامل؟
إن إعادة التوازن تبدأ من استعادة مركزية الإنسان، لا كأداة في منظومة، بل كغاية.
تبدأ من تربية وعيٍ جديد يرى في الاختلاف فرصة، لا تهديدًا، وفي القوة مسؤولية، لا امتيازًا.
تبدأ من إعادة الاعتبار للأخلاق، لا كخطابٍ موازٍ، بل كجزءٍ لا ينفصل عن أي مشروع تقدّم.
فليست المشكلة أن العالم يتقدم، بل كيف يتقدم. وليس الخطر في كثافة الغابة، بل في فقدان البوصلة داخلها.
فإذا لم تتعلّم البشرية كيف تهذّب قوتها، فإنها ستظل مهما بلغت تدور في حلقةٍ من الإنجاز الذي يُنتج فناءه، ومن الألم الذي يتكاثر مع كل محاولة للتعافي من الانحراف عن جوهر البقاء الذي يعيد الينا ترتيب السلام
الذي ابتدأ به الخلق على هذه الأرض
هكذا بدأت الحكاية…
من صرخةٍ أولى على تراب الأرض، حين تعلّم الإنسان كيف يمشي بين الضوء والظل، وكيف يصوغ من ضعفه معنى، ومن خوفه طريقًا نحو البقاء.؟!
كبرت الرحلة، وتكاثرت الحكايات، حتى ظنّ البشر أنهم امتلكوا مفاتيح الكون، فغاب عنهم أنّهم كانوا، في كل خطوة، يبتعدون قليلًا عن جوهرهم الأول… ذلك النقاء الذي وُلد معهم.
وحين اشتدّ الصخب، وتكاثرت الحروب، وتعبت الأرض من ثقل ما نحمله إليها، بدا وكأننا نقترب من حافة الفناء، لا لأن الحياة انتهت، بل لأننا نسينا كيف نحياها.
لكنّ التعافي ليس مستحيلًا…
إنّه يبدأ من لحظة صدقٍ واحدة، نعود فيها إلى إنسانيتنا، نُصالح فيها أرواحنا، ونُدرك أن البقاء لا يكون بالقوة، بل بالرحمة، ولا بالهيمنة، بل بالمحبّة.
سننجو…
حين نعيد للقلوب قدرتها على الشعور،
وللكلمات معناها،
وللأرض حقّها في أن تكون وطنًا لا ساحة صراع.
فما بين الولادة والفناء،
ليست الرحلة إلا امتحانًا واحدًا:
أن نظلّ بشرًا… مهما تبدلت ملامح العالم من حولنا.
ومهما تقنعت قسوةُ بوجوهٍ تشبهنا،
ومهما أغرتنا الطرقُ التي تُفقدنا أرواحنا.
أن نظلَّ بشرًا…
يعني أن نحفظ في داخلنا قبسَ الرحمة،
وأن نُمسك بيدِ الضوءِ حين تتكاثرُ العتمة،
وأن نختار القلبَ… حين يخذلنا العقلُ بالبرود.
أن نظلَّ بشرًا…
هو ألّا نُشبه الخرابَ وإن سكننا،
وألّا نعتاد الألمَ حتى نصيرَ جزءًا منه،
بل أن نُقاوم… لننتصر فقط، بل لنستحقّ الحياة.
الكاتبة السورية هيفاء البريجاوي
NomE-mailMessage