JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

هل الأعراب بنت الأمم؟ الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني

 



قراءة تحليلية سياسية اجتماعية اقتصادية


في ظلّ التحوّلات المتسارعة التي تعصف بالعالم أجمع، والتي تتطلّب يقظة حضارية عميقة، الواقع العربي يكشف عن اختلالات في مجالات متعدّدة؛ السياسية والتجارية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعسكرية، فأنتجت حاضرا لا يبشّر بمستقبل زاهر كونه مثقلا بالتحدّيات.


 من خلال الدراسات؛ نجد أن الدول العربية على مستوى الأمن الغذائي، تتبدّى هشاشة واضحة في القدرة على تحقيق الاكتفاء، حيث أن جميع منظومات الإنتاج تحتكرها الدول الخارجية في سلاسل التوريد والبذور والتقنيات الزراعية. كما أن البذور المتوفّرة معدّلة جينيا وإن زرعوها، فإنها لا تنتج بما يكفي، أو تكون صالحة للاستهلاك فقط دون إمكانية تخزينها. 

كما تعاني المساحات الزراعية من محدودية الاستصلاح وضعف استثمار الموارد المائية، في ظل اعتماد متزايد على استيراد المواد الأولية. ويزداد هذا الأمر تعقيدا مع تراجع هياكل تنظيمة في تربية المواشي نتيجة نقص الآلات اللازمة والأعلاف والمساحات الخضراء واليد العاملة المتخصّصة، فتراجع الغذاء الحيواني لدرجة أن الحكومات تضطر لإستيراد الأغنام حتى في الأعياد الدينية.

أمّا في المجال العسكري، فتظهر الفجوة التكنولوجية كعامل حاسم في رسم دينامكيات القوى، حيث يتّسع الفرق بين القدرات المحليّة والتطوّر العالمي في آليات الدفاع والهجوم، ما يضعف فعالية الجيوش التقليدية أمام أدوات حديثة تعتمد على التفوّق التكنولوجي الإلكتروني والتقني؛ إذ يمكن استهداف جيوشهم الكثيرة والغير منظّمة، بقنابل كهرومغناطيسية أو ذرية أو نووية أو صوتية فتقضي عليهم نهائيا.

اقتصاديا، تواجه الدول العربية تحدّيات بنيوية تتعلّق بضعف الإنتاج الصناعي، وتدنّي القدرة التنافسية في الأسواق العالمية، مقابل اعتماد واسع على الاستيراد في مختلف القطاعات، من الغذاء إلى الطاقة والدواء والألبسة والصناعات وصولا إلى التكنولوجيا. كما تعاني غالبية المؤسّسات من اختلالات إدارية تحدّ من قدرتها على الابتكار والتوسّع، ما ينعكس على جودة المنتجات وثقة المستهلك.

وفي البعد الاجتماعي والثقافي، يظهر تغيير في منظومة القيم، وقلّة فئة المفكرين، حيث تتراجع روح المبادرة والإنتاج لصالح أنماط استهلاكية متنامية، ترافقها هجرة الكفاءات العلمية نحو بيئات أكثر احتضانا للبحث والتطوير. حتى غلبت أنماط حياة قائمة على الإكتفاء بالأكل والشرب والنوم فحسب. ويضاف إلى ذلك تحديات مرتبطة بانتشار الفساد الإداري، بما في ذلك الرشوة والمحسوبية والبيروقراطية، وتأثيرها على فعالية المؤسسات واستقرارها.

كما يتسلّل الفساد إلى مفاصل متعدّدة من الدولة، في المؤسّسات الحكومية بمختلف قطاعاتها؛ من العسكري إلى القضائي، ومن الصحي إلى التعليمي. تكثر الأعطاب في غياب الحوكمة الرشيدة.

في القطاع الصحي، تتجلّى معاناة يومية تثقل كاهل المرضى. أدوية الأمراض المزمنة تعرف انقطاعات متكرّرة، والتجهيزات الطبّية تعاني من التقادم أو النقص أو الأعطال الغير مبررة، مما يجعل الخدمة الصحية في حالة تذبذب مستمر، تتأرجح بين الحاجة والإمكان.

وفي قطاع التعليم، تتبدّى محدودية الطرح وضعف التأهيل في كل الفضاءات العلمية كالندوات والملتقيات، مع تدنّي في الكفاءات، حيث تفقد المعرفة بريقها في منطق إداري يسوده الجمود بدل أن يغذّى بروح البحث والتجديد. كما تنتشر ممارسات الابتزاز والرشاوى، فترهق المؤسسات وتفرغها من وظيفتها الأصلية، بينما تواجه المبادرات الخاصّة عراقيل وابتزازا متعمّدا، مما يحدّ من قدرتها على الإبداع وتقديم خدمات تليق بتطلّعات المجتمع.

في البنية التحتية، يصبح التباين علامة واضحة؛ طرقات تحتاج إلى إعادة تشييد كاملة، وشوارع تئنّ تحت ضغط الاستهلاك دون صيانة كافية، وشبكات مياه مهترئة تعرف انقطاعات تربك الحياة اليومية للمواطن البسيط، فيما تتعطّل وسائل النقل في أوقات الذروة، وفي لحظات يفترض فيها الانسياب. وحتى في العواصم التي تغلب عليها بعض مظاهر التحديث، إلا أنها تبقى محصورة في الشوارع الرئيسية، ولا تعكس واقع بقية المدن والأحياء التي يغيب عنها الاهتمام الإعلامي، فتستمر في أنماط عيش تقليدية مزيّفة، مع وسائل نقل بسيطة ومشاهد الطوابير. 

عند التمعّن في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن العربي، نجد فجوات حادّة بين مناطق مختلفة داخل البلد الواحد. ليثقل البحث عن الماء الصالح للشرب كاهل السكان، فتتحوّل الضروريات إلى رحلة يومية شاقة، حاملين أثقالا على ظهورهم وظهور حميرهم، وكأنهم يعيشون في ما بعد العصر الحجري. وهذا ما تعيشه المناطق الداخلية في العديد من بلدان الخليج والمغرب العربي؛ من ليبيا إلى تونس إلى الجزائر ومصر. تبدو مظاهر العيش محرجة ومتخلّفة ومتأخّرة إلى حدّ كبير؛ إذ لا تزال وسائل نقل تقليدية تستخدم بشكل متواصل، وتعاني معظم تلك المناطق من تفشّي الأمراض.

كما تعيش خدمات الاتصال، وعلى رأسها الإنترنت، حالة من عدم الاستقرار، رغم دورها المحوري في العصر الرقمي. 

أما العمران فالأمر مقلق أيضا؛ بنايات قديمة تكاد تتهاوى بساكنيها في أيّ لحظة تهبّ فيها الرياح أو تضرب فيها الزلازل والعواصف، وأخرى حديثة تكشف عدم الجدية والإتقان في التنفيذ، فتفقد صلابتها في زمن وجيز لا يتعدى السنتين. كما تعرف شبكات الكهرباء اضطرابات متكرّرة وحجج لا يتقبّلها العقل في بعض الدول، كما هو الحال في مصر مؤخرا، رغم غياب ظروف الحرب التي تسبّب ذلك عادة.


هل ستقوم للعرب قائمة؟ لا؛ لأنهم متأخّرون جدا. أمور غريبة تحدث في الأوساط الشعبية، كان من المفترض أنها انتهت قبل الحرب العالمية الثانية. وعند المقارنة بينهم وبين الدول الغربية المتقدّمة والمواكبة للعصر الحديث، يبدو الفارق شاسعا في مجالات البنية التحتية والخدمات والاستثمارات والابتكارات.


 الدول العربية تعاني من ضعف واضح في القدرة على الدفاع عن النفس، نتيجة الغزوات والحروب التي مرّت بها في فترات زمنية معينة.

 وكمثال معاكس لهذه الدول، نأخذ دولة اليابان التي أعادت إعمار هيروشيما وناغازاكي سريعا بعد قصفهما في أغسطس 1945؛ إذ استغرق الأمر نحو 10 إلى 15 عاما لتعود المدينتان إلى مستويات ما قبل الحرب تقريبا. ورغم الدمار الشامل، استعادتا كثافتهما السكانية كمركزين حضريين نشطين، وبنيتهما المدنية، بحلول منتصف الخمسينيات، وتحوّلت الأنقاض إلى فضاءات للسلام، دون آثار ظاهرة للدمار. وقد أصبحت الدولة واحدة من أقوى الاقتصادات في العالم بفضل تحديث صناعي وتقني متسارع.

وإذا نظرنا إلى الدول الأوروبية، مثل ألمانيا التي دمّرت خلال الحرب العالمية الثانية، فقد أُعيد إعمارها لتصبح قوة اقتصادية، مع تحديث شامل للصناعة. كما شهدت فرنسا والاتحاد السوفيتي إعادة بناء واسعة للبنية التحتية، وكانت خمسون سنة كافية لتتصدّر هذه الدول المشهد الاقتصادي والصناعي والعسكري والتجاري.

في المقابل، وبعد استقلال الدول العربية بنحو 60 إلى 70 سنة، ظلّ التقدّم شبه معدوما؛ إذ تعاني البنايات والطرقات من التدهور، وتنتشر مظاهر التخلّف الاجتماعي، والانحلال الأخلاقي، وتعاطي المخدرات. وبالمقارنة مع دول أخرى مثل الصين، التي استثمرت في خدمة اقتصادها الوطني، نلاحظ تطورا هائلا في البنية التحتية، بما في ذلك ملايين الجسور العملاقة - كأنها ناطحات سحاب بمئتي طابق أو عابرة للبحر - والطرق السريعة وشبكات السكك الحديدية، التي نفّذتها في الغالب شركات ذات خلفية حكومية لضمان الكفاءة والاستمرارية.


أما في مجال الطيران المدني في العالم العربي، فيتّسم النمو بعدم التوازن بين الدول؛ ففي دول مثل مصر والمغرب والأردن، توجد أساطيل مختلطة "حديثة وقديمة"، مع بعض التحديات في الإدارة أو التمويل، ولا ترقى إلى مستوى المنافسة مع شركات الطيران في دول العظمى من حيث الجودة أو الحداثة. وفي المقابل، تعاني دول أخرى مثل ليبيا والعراق وتونس وسوريا من أزمات اقتصادية، ونقص في قطع الغيار، وضعف في البنية التحتية للمطارات، وتأخيرات متكررة، ما يضطرها إلى تشغيل طائرات قديمة لفترات طويلة، مع فرض قيود أوروبية على بعض شركاتها بسبب معايير السلامة.


ومهما حاولت الدول العربية تحقيق التقدّم، فإن التحدّيات تبقى كبيرة؛ وحتى في حال الدخول في صراعات وحروب، تظلّ فرص النصر معدومة في ظلّ اختلال موازين القوة. ويستشهد بوضع إسرائيل، المحاطة بعدد من الدول العربية، في سياق إظهار هذا الخلل. لم يطلقوا عليها رصاصة واحدة لأنهم ضعفاء جدا، حكومات وشعوبا. القدرات العسكرية العربية تعتمد على استيراد المعدّات، وإن حلّقوا بالطائرات التي اشتروها بمبالغ خيالية يتحكّم فيها عن بعد من صنعوها وباعوها لهم، مما يجعل حركتها مرتبطة كليا بالدول المصدّرة، سواء الطائرات الحربية أو السفن البحرية أو الغواصات، أو الأسلحة.


في المجالس العربية التي تنعقد دوريا، كالقمّة العربية على مستوى القادة، أو مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، أو المجالس الوزارية المتخصّصة، إضافة إلى الاجتماعات الطارئة التي تعقد عند الأزمات السياسية أو الأمنية، يظهر ضعف كلّي في توحيد الكلمة في المواقف، وغياب تام في التوافق على قرارات حاسمة. كما يبدو أن نتائج هذه الاجتماعات تبقى محدودة الأثر، في إطار تباين المصالح والاتجاهات. 

وفي السياق الاقتصادي والتقني، تعتمد العديد من الدول العربية على استيراد المنتجات والبرامج التكنولوجية من الدول المتقدّمة، وغالبا ما تكون في موقع المستهلك أكثر من المنتج، مما يعكس فجوة واضحة في مجالات الإنتاج والتطوير. 


،؛، فالعرب سلّة المهملات التي تجمع فضلات الدول المتقدّمة.،؛، 


لماذا العرب لن تقوم لهم قائمة، وكيف حصل هذا؟


إذا عدنا خمسين سنة إلى الوراء، نجد أن الدول المتقدّمة كانت منشغلة بتطوير بلدانها في مختلف المجالات، بينما انشغلت الدول العربية بأنماط حياة ترفيهية، مثل اللهو والتكاثر والانغماس التام في الشهوات والرقص والغناء، إلى جانب إفساد مؤسّساتها؛ التجارية والتربوية والصحية وغيرها...بالرشاوى والمحسوبية والبيروقراطية والمعرفة، مع إضعاف الالتزام بالانضباط، والعمل على إقصاء الكفاءات. 


،؛، لم يبذل العرب أي جهد للارتقاء بمستوى الدول أو استشراف المستقبل.،؛،


كما يلاحظ أن بعض البلدان، مثل لبنان وسوريا والأردن، ارتبطت آنذاك بالمجالات الفنية والموسيقية، في حين اشتهرت مصر بالفنون الاستعراضية، كالرقص الشرقي والسينما الماجنة وتخصيص أموال طائلة تقدّر بالمليارات للأنشطة الترفيهية، مثل الحفلات الغنائية، في مقابل ضعف توجيه هذه المبالغ الخرافية في مجالات استراتيجية كالتطوير أو التسليح.


وتظلّ الحقيقة قاسية لكنها صريحة؛ العالم العربي، بموارده الهائلة وإمكاناته البشرية، لا يزال في مؤخّرة ركب الحضارة المعاصرة، بسبب فساد مستشري، وضعف في الحوكمة، وتبديد للطاقات في صراعات دينية 

وفقهية تتمحور حول "كم تنكح المرأة ومن أين؟" و"كم ينكح الرجل أربعة أو عشرة"، و"متى تحيض النساء" و"هل بكر أو ثيّب". وأنماط استهلاكية ودعوات جهادية زائفة. 


إن المقارنات مع اليابان أو ألمانيا أو الصين هي لإظهار الإرادة السياسية والمجتمعية حين تتوفّر، تؤدي إلى تحقيق المستحيل. وما لم تتغيّر أولويات الدول العربية من التسلّح بالشراء والاعتماد على الغير، إلى التصنيع والابتكار والاعتماد على الذات، وما لم تتحوّل المؤسّسات من أوكار للفساد إلى منارات للكفاءة، فإن الحديث عن نهضة عربية ثانية سيبقى مجرد شعارات تذروها الرياح.


 وعليه حقا أقول لكم،

لا مستقبل للعرب، لأن المستقبل يصنع بالعدل وقوانين رادعة، وتعليم جادّ، وإدارة رشيدة، وشعوب تتسلّح بالوعي، وتقدّم المصلحة العامّة على الخاصّة، واستبدال ثقافة الاستيراد والرقص بثقافة العمل والصناعة. 


إما أن تصنع العرب التغيير بأيديها، أو تظل كما هي، سلّة مهملات الأمم المتطوّرة، شعوبها متخلّفين ومجرد مستهلكين سلبيين في مسيرة التقدّم العالمي.

author-img

journalist

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة