بقلم /أيمن بحر
فى تحول يوصف بأنه من أخطر التحولات فى تاريخ أسواق الطاقة العالمية تتجه الأنظار إلى الإمارات بعد خطوة اعتبرها مراقبون إعلان استقلال نفطى كامل يعيد رسم موازين القوى داخل المنطقة ويطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل التحالفات الاقتصادية الخليجية
الخطوة الإماراتية لم تعد مجرد قرار مرتبط بإنتاج النفط لكنها تعكس رؤية استراتيجية مختلفة تقوم على التحرر من القيود التقليدية والانطلاق نحو سياسة أكثر مرونة في إدارة الثروة والطاقة بما يتوافق مع المصالح الوطنية وحسابات المستقبل
القراءة الاقتصادية للقرار تكشف أن أبوظبي بنت خلال السنوات الماضية قدرات إنتاجية ضخمة واستثمرت مليارات الدولارات لرفع إنتاجها النفطى إلى مستويات غير مسبوقة وهو ما جعل استمرار القيود المفروضة على الحصص الإنتاجية يمثل عبئا اقتصاديا يحد من استثمار هذه القدرات ويؤخر عوائد بمليارات الدولارات
فى المقابل لم تعد الإمارات مجرد منتج تقليدى للخام بل تحولت إلى لاعب عالمى يمتلك أدوات تسعير مستقلة عبر خام مربان وأسواق أبوظبى وهو ما عزز شعورها بامتلاك هامش أوسع للحركة خارج المظلات التقليدية
الرهان الإماراتي لا يرتبط بالحاضر فقط بل بالمستقبل أيضا فالعالم يتحرك بسرعة نحو الطاقة البديلة والاقتصادات الجديدة وهو ما يدفع أبوظبي إلى تعظيم الاستفادة من الثروة النفطية الآن لتوظيف عائداتها فى تمويل اقتصاد ما بعد النفط من الذكاء الاصطناعى إلى المدن الذكية والطاقة النظيفة
القرار فى بعده السياسى يبعث برسائل تتجاوز سوق الطاقة إذ يكشف عن افتراق مصالح بين شريكين استراتيجيين دون أن يصل إلى القطيعة فالرياض تراهن على ضبط الإمدادات لدعم الأسعار وتمويل مشروعاتها الكبرى بينما ترى أبوظبى أن المرحلة الحالية تفرض توسيع الإنتاج وتعزيز الحصة السوقية قبل تغير قواعد اللعبة العالمية
ويرى محللون أن الخطوة تمثل تحديا مباشرا لهيكل النفوذ داخل أوبك وتضع السعودية أمام اختبار صعب للحفاظ على تماسك المنظمة وقدرتها على إدارة السوق فى ظل غياب أحد أهم أعضائها وأكثرهم تأثيرا
كما يفتح هذا التطور الباب أمام سيناريوهات جديدة تبدأ من احتمال زيادة المعروض النفطي عالميا بما يضغط على الأسعار ولا تنتهى عند احتمالات منافسة مفتوحة على الأسواق الكبرى فى آسيا حيث يشتد الصراع على الحصص والعملاء
وتبرز الأبعاد الجيوسياسية للقرار مع تصاعد التوترات الإقليمية خاصة ما يتعلق بأمن الملاحة فى مضيق هرمز حيث تبدو الإمارات حريصة على امتلاك حرية أكبر فى إدارة صادراتها واستجابتها لأى تطورات أمنية طارئة دون الارتباط بقيود جماعية معقدة
اللافت أن القرار يحمل فى الوقت نفسه رسائل تتقاطع مع مصالح القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة إذ إن أي إضعاف لهيمنة أوبك قد يصب فى صالح توجهات دولية طالما انتقدت سياسات التحكم فى الأسعار ودعت إلى توسيع الإنتاج
المشهد فى جوهره لا يبدو مواجهة خليجية بقدر ما هو إعادة تموضع تاريخية فى مراكز النفوذ الاقتصادى حيث تتحول الشراكة من التنسيق المطلق إلى التنافس المحسوب وهو ما يجعل ما يحدث أقرب إلى طلاق استراتيجى هادئ داخل بيت النفط الخليجى
ويبقى السؤال الأخطر مطروحا هل نحن أمام بداية حرب أسعار جديدة فى المنطقة أم أن العاصمتين ستنجحان فى إنتاج صيغة جديدة للتوازن تحفظ المصالح وتمنع انفجار سوق الطاقة
الأيام المقبلة وحدها قد تكشف إن كان هذا القرار مجرد مناورة ثقيلة أم بداية عصر جديد ينهي قواعد النفط القديمة ويكتب خريطة مختلفة للنفوذ فى الشرق الأوسط
