" إننا لا نخطئ لأننا نريد الخطأ ، وإنما لأننا نريد الصواب ولذلك نخطئ الطريق إلى ذاك الصواب .. فلهذا تكن أرواحنا تائهة ، جائعة ، ظمأى ، عندما تبحث في كل شيء عما يرويها ، فإذا أخطأت وذاقت الإثم ، فما ذاك إلا لأنها تتوهم أن فيه لذة ، وما اللذة إلا صدى بعيد للسكينة والكمال الذي تنشده ... فنحن جميعاً مسافرون في طرق وعرة ، والخطايا ليست إلا عثرات أقدامنا ونحن نصعد الجبل ، والفرق بين القديس والمجرم ليس في أن أحدهما بلا خطيئة والآخر كُلّه خطيئة ، بل في أن أحدهما يسقط فينهض وعينه على القمة ، والآخر يسقط فيستسلم وينام في الحفرة .
إن النفس البشرية كالبحر ، في أعماقها لآلئ وبقايا سفن غارقة ، وفي أعماقها تماسيح وأسماك قرش ، وفي أعماقها مرجان وكنوز .. وهي في كل لحظة في مد وجزر ، تارة تلامس السماء بصفائها ، وتارة تنحدر إلى القاع بظلمتها .. وبراءة الإنسان لا تعني أنه بلا ذنب ، بل تعني أنه رغم كل ذنوبه ، ما زال قادراً على أن يحب ، وما زال قلبه ينبض بالندم ، وما زالت روحه ترفرف بعيداً عن الطين الذي جبل منه ."
فقد ذكر لنا دكتور مصطفى محمود رحمه الله ، عن العلاقات البشرية من كتاب "أناشيد الإثم والبراءة" ، بأن الكذب ليس الكارثة الحقيقية ، لأن هذا الكذب حادثة يمكن عزلها ، تفسيرها ، وربما حتى تجاوزها ... لكن تبعاته ؟ تكن هي الكارثة الحقيقية ..لأنه عندما يتحول الآخر في نظرك من شخص يمكن الركون إليه إلى احتمال دائم للزيف ... قد يحدث هنا الانقلاب .. الذي لم تعد هنا العلاقة فيه قائمة على الثقة ، بل على الحذر .
فهي أصبحت لم تعد تسمع لتفهم ، بل لتتحقق .. ولم تعد تطمئن ، بل باتت تراقب .
إذاً فقد أصبح كل هذا يقود الى تغيّر طويل الأمد في إدراكنا للآخر ... فالكذب لا يؤلم بحد ذاته ، بل لأنه يسرق منا بساطة التصديق … ويجبرنا على العيش في شكٍ دائم ! ومن هنا تأتي عبارة فريدريك نيتشه لتختزل كل هذا في جملة واحدة : ما هزّني ليس أنك كذبت عليّ ، بل لأنني لم أعد أصدقك .
