JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Startseite

الحرب الإيرانية الأمريكية: بين مطرقة طهران وسندان واشنطن: هل تقود الأزمة مصر إلى زعامة إقليمية جديدة؟



 كتب : ا
حمد فرغلي

لا تمثل الحروب مجرد صراعات مسلحة عابرة، بل هي أدوات قسرية لإعادة تشكيل البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وما يشهده الإقليم اليوم من حالة صراع إيراني-أمريكي متصاعد ليس إلا مخاضاً لواقع جديد سيغير وجه المنطقة لسنوات طويلة. ومن منطلق المصلحة القومية المصرية، يهدف هذا المقال إلى استشراف أبعاد هذا الصراع وتأثيراته، وكيف يمكن لمصر أن تحوّل التحديات الجيوسياسية إلى فرص استراتيجية حقيقية.

أولاً: المستوى الاستراتيجي وتوازن القوى

في سيناريو يفترض  تراجع "محور الممانعة" الإيراني وخلوّ الساحة من قوة إقليمية ؛ فان الامر  تشكّل تهديداً مباشراً  للمصالح المصرية ؛ فالانتصار الاسرائيلى النهائى على ايران او تعير النظام الايرانى الحالى بنظام متوافق مع اسرائيل  ،  سيؤدى بتالى الى ان المواجهة ستنتقل حتماً إلى القوى الإقليمية الباقية، وعلى رأسها مصر وتركيا. فغياب الند الإيراني سيضع مصر في مواجهة مباشرة مع طموحات التمدد الإسرائيلي دون "حائط صد" إقليمي يُشغلها. والجدير بالذكر أن مصر تمتلك اليوم ما لا تمتلكه سواها: علاقات متوازنة مع جميع أطراف المعادلة الإقليمية، من الخليج إلى تركيا، ومن روسيا والصين إلى الغرب، مما يجعلها الوسيط الأمثل والضامن الأجدر لأمن المنطقة.

وعلى صعيد القوى الدولية، فإن وجود إيران قوية يمثّل عمقاً استراتيجياً لا غنى عنه لكلٍّ من روسيا والصين. لذا، فإن موسكو وبكين ستواصلان دعم طهران مادياً وعسكرياً ومعلوماتياً واستخباراتياً، بما يكفل إطالة أمد الصراع واستنزاف الغرب. وبالنظر إلى التاريخ، نجد أن الإمبراطورية الساسانية تصادمت مع الرومانية قروناً متطاولة، كما استمرت الحرب العراقية الإيرانية ثماني سنوات عجاف؛ مما يعكس النَّفَس الطويل لإيران ككتلة عقائدية صلبة يصعب كسرها بسهولة. وهو ما يُرجّح أن تتحوّل دول الخليج العربي، بهشاشتها البشرية وثرواتها المكشوفة، إلى ساحة استنزاف مفتوحة.

ثانياً: البعد الاقتصادي — مصر كبديل استراتيجي

تعتمد اقتصاديات دول الخليج اعتماداً شبه كلي على النفط والاستثمارات الخارجية. وفي ظل حالة عدم اليقين الناجمة عن الصراع، وما قد يترتب عليها من إغلاق مضيق هرمز واستهداف المصافي والآبار وخطوط الغاز، تصبح رؤوس الأموال عرضةً للهروب بحثاً عن ملاذات أكثر استقراراً. وهنا تبرز مصر مرشحاً مثالياً لاحتضان هذه الاستثمارات، لاعتبارات ثلاثة:

الوفرة البشرية والأمن: قوى عاملة كبيرة ومنخفضة التكلفة نسبياً، في بيئة أمنية مستقرة مقارنةً بمحيطها الإقليمي.

الموقع والممرات الحيوية: قناة السويس وسواحل البحرين الأحمر والمتوسط تجعل من مصر ممراً لا بديل عنه لحركة التجارة العالمية.

الدور الحمائي كرصيد تفاوضي: يمكن لمصر أن تُقدّم نفسها ضامناً أمنياً للخليج مقابل تسوية ديونها وإحلال عمالتها المدرّبة محل العمالة الآسيوية، في صفقة متوازنة تخدم الطرفين.

ثالثاً: سيناريوهات المستقبل — خارطة الطريق المصرية

لكي تخرج مصر من هذه الأزمة بمكاسب حقيقية وليس بأعباء إضافية، لا بد من التحرك الاستباقي عبر ثلاثة مسارات متكاملة:

1. المسار الاقتصادي: تحويل القبلة الاستثمارية

تقديم مصر كـ"الملاذ الآمن والمنتج" عبر:


مناطق الامتياز الصناعي الخليجية: منح دول الخليج مناطق صناعية كبرى في محور قناة السويس لنقل خطوط إنتاجها المهددة، لتُصنَّع بأيدٍ مصرية وتُصدَّر للعالم عبر المتوسط.

توطين الصناعات الدفاعية: إنشاء شراكات تصنيع عسكري مصرية-خليجية على الأراضي المصرية، بعيداً عن مدى الصواريخ الإقليمية.

برنامج الإحلال والتمكين الوظيفي: اتفاقيات تفضيلية لإحلال العمالة المصرية المدرّبة تقنياً محل العمالة الأجنبية في الخليج، مرتبطة بمنظومة تحويلات بنكية منتظمة تدعم الاحتياطي النقدي.

2. المسار الاستراتيجي: مبدأ الأمن القومي الممتد

التحول من دور "الوسيط" إلى دور "الضامن الإقليمي":


اتفاقية دفاع مشترك بصيغة عصرية: مظلة أمنية مصرية بحرية وجوية لحماية المنشآت الخليجية، مقابل تصفير الديون والاستثمار المباشر في البنية التحتية المصرية.

الحياد الفعّال مع طهران: الحفاظ على قنوات دبلوماسية مفتوحة مع إيران لضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر، واستثمار هذا النفوذ المزدوج أداةً للضغط والتفاوض مع كافة القوى الدولية.

3. المسار الجيوسياسي: ملء الفراغ


الكتلة الصلبة المصرية-التركية: على الرغم من تعقيدات التاريخ بين القاهرة وأنقرة وتنافسهما التقليدي على الزعامة الإقليمية، فإن المصلحة المشتركة في منع الانفراد الإسرائيلي بالمنطقة قد تُشكّل أرضية كافية لتحالف براغماتي يحفظ توازن القوى.

المركزية الطاقية: تحويل مصر إلى مركز رئيسي لإعادة تصدير الغاز والنفط عبر أنابيب برية وموانئ آمنة على المتوسط، كبديل جاهز في حال تعطّل مضيق هرمز.

ختاماً

تدفع الحروب الكبرى ثمنها البشري والإنساني فادحاً، ومنطقتنا ليست استثناءً. غير أن الدول التي تُحسن قراءة اللحظة التاريخية تخرج منها بمكانة مختلفة. الاستفادة المصرية من هذه المرحلة ليست ترفاً استراتيجياً، بل ضرورة وطنية. فإذا أحسنت مصر إدارة أوراقها الجيوسياسية والاقتصادية والدبلوماسية، فإن هذه المرحلة المضطربة قد تكون بوابتها لإعادة تموضعها كقوة لا غنى عنها في معادلة الشرق الأوسط الجديد.

NameE-MailNachricht