JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Accueil

الخليج فى مواجهة العاصفة الإيرانية ومعركة الوعى فى الشارع العربى

 



كتب/ أيمن بحر
في خضم التصعيد الإقليمي المتسارع والتوترات المتزايدة فى الخليج العربي تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة الصراع الدائر وحدود المواقف السياسية والإعلامية التي تتشكل حوله داخل المجتمعات العربية خصوصا فى مصر حيث تتداخل الاعتبارات التاريخية والسياسية مع تأثيرات الخطاب الأيديولوجى الذى تشكل عبر عقود طويلة
ورغم التحفظات الواضحة على بعض السياسات التي انتهجتها دول خليجية خلال السنوات الخمس الأخيرة فإن الموقف من العدوان الإيراني على الأهداف المدنية والموانئ الحيوية يظل موقفا واضحا لا يقبل الالتباس فالهجمات التي تطال منشآت حيوية وموانئ استراتيجية لا يمكن النظر إليها إلا باعتبارها تهديدا مباشرا لأمن المنطقة واستقرارها ومصالح شعوبها
وقد كشف مشهد ميناء صلالة في سلطنة عمان وما رافقه من توترات وقلق في حركة الملاحة الدولية حجم المخاطر التي يمكن أن تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأسره فهذه الموانئ ليست مجرد نقاط تجارية بل شرايين حيوية تمر عبرها تجارة الطاقة والسلع بين الشرق والغرب وأي تهديد لها يعني دخول المنطقة في دائرة اضطراب قد تتجاوز آثارها حدود الجغرافيا العربية
وفي سياق النقاش الدائر داخل الشارع المصري يبرز عامل آخر لا يقل تأثيرا يتمثل في الثقافة السياسية التي تأثرت على مدى سنوات طويلة بخطاب جماعة الإخوان وهو خطاب نجح في تشكيل بوصلة فكرية لدى قطاع من الرأي العام بحيث أصبحت كثير من المواقف الإقليمية تُفسَّر من خلال هذا المنظور الأيديولوجي سواء بوعي أو من دون وعي
ولعل المثال الأوضح على ذلك هو التباين اللافت في التعامل مع أدوار بعض الدول في المنطقة فخلال عقدين كاملين كانت السياسات القطرية في العديد من الملفات الإقليمية مثار جدل واسع واتهامات متكررة بدعم تيارات متطرفة ومع ذلك لم تحظ تلك السياسات بحجم الانتقاد نفسه الذي يوجَّه اليوم إلى دول خليجية أخرى مثل الإمارات أو دبي تحديدا وهو تباين يعكس إلى حد كبير تأثير الاصطفافات الأيديولوجية في تشكيل المواقف الشعبية
ففي الوقت الذي كانت فيه الدوحة تعتمد على خطاب ديني وإعلامي قادر على التأثير في قطاعات واسعة من الجمهور العربي عبر شخصيات دينية وإعلامية ذات حضور كبير كانت تلك الرسائل تصل إلى الشارع العربي بغطاء ديني يمنحها شرعية شعبية واسعة بينما كانت دول أخرى تتحمل كلفة سياسية وإعلامية أكبر رغم اختلاف السياقات
ومن المهم أيضا التذكير بأن التاريخ القريب للمنطقة لا يمكن فصله عن لحظة مفصلية مرت بها مصر حين واجهت الدولة المصرية تحديات غير مسبوقة خلال أحداث يناير وما تلاها من اضطرابات سياسية وأمنية ففي تلك المرحلة وقفت عدة دول خليجية إلى جانب مصر سياسيا واقتصاديا في وقت كانت فيه أطراف أخرى تتحرك في اتجاهات مختلفة تماما
وفي ظل هذه الخلفيات المتشابكة تظهر اليوم محاولات متكررة لإعادة توجيه الرأي العام العربي عبر سرديات تبسيطية تحاول إقناع الناس بأن دعم إيران أو التعاطف معها يرتبط فقط بمواقفها من إسرائيل أو بقصفها لتل أبيب بينما يتم تقديم الشماتة في بعض الدول الخليجية باعتبارها رد فعل طبيعيا على سياساتها الأخيرة
غير أن قراءة أعمق لخريطة العلاقات والتحالفات في المنطقة تكشف أن المسألة أكثر تعقيدا بكثير فالصراعات الإقليمية ليست مجرد مواجهات عسكرية عابرة بل هي جزء من شبكة مصالح وتحالفات وتوازنات دقيقة تتعلق بالأمن القومي للدول وبمستقبل الاقتصاد العالمي وبطبيعة المشاريع السياسية التي تتنافس على النفوذ في الشرق الأوسط
وفي هذا السياق فإن بعض الأصوات التي تروج لدعم إيران ضد دول الخليج العربي أو تحتفي بالهجمات التي تطال منشآت مدنية وموانئ حيوية تبدو بعيدة عن إدراك تعقيدات التاريخ والجغرافيا وموازين القوى في المنطقة فالمسألة لا تتعلق فقط بوجود قواعد عسكرية أو صراعات سياسية عابرة بل ترتبط أيضا بطبيعة المشروع الإقليمي الذي تسعى طهران إلى ترسيخه منذ عقود
ذلك المشروع الذي يقوم على توسيع النفوذ عبر شبكات من التحالفات العسكرية والسياسية في عدد من دول المنطقة مستفيدا من حالة الانقسام العربي ومن هشاشة بعض الدول التي تحولت إلى ساحات مفتوحة للصراع بين القوى الإقليمية
وفي خضم هذه الصورة المعقدة يبقى التحدي الأكبر أمام المجتمعات العربية هو القدرة على قراءة المشهد الإقليمي بعين واقعية بعيدا عن الاستقطاب الأيديولوجي أو العاطفي فالقضايا المرتبطة بالأمن القومي لا يمكن التعامل معها بمنطق الشعارات أو ردود الفعل اللحظية بل تحتاج إلى فهم عميق لتوازنات القوة ومصالح الدول وتحولات النظام الدولي
إن ما يحدث في الخليج اليوم ليس مجرد أزمة عابرة بل هو اختبار جديد لقدرة المنطقة على الحفاظ على استقرارها في مواجهة صراعات النفوذ الكبرى وهو أيضا اختبار لوعي الرأي العام العربي وقدرته على التمييز بين المواقف السياسية المشروعة وبين الخطابات التي تحاول توظيف العاطفة الشعبية لخدمة مشاريع تتجاوز مصالح الشعوب
وفي النهاية تبقى الحقيقة الأهم أن استقرار الخليج العربي ليس قضية تخص دوله وحدها بل هو جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة العربية بأكملها وأن أي تهديد للممرات البحرية أو الموانئ الحيوية في هذه المنطقة سيظل تهديدا مباشرا للأمن الاقتصادي والسياسي للعالم العربي كله.
NomE-mailMessage