في رحاب السيره المحمدية العطره
الحلقه السادسه (٦)
#الحبيب المصطفى « ١٥١ »
السيرة المحمدية العطرة ..
(( صهر النبي صلى الله عليه وسلم من أسرى بدر ، أبو العاص بن الربيع ))
_________________________________________________________________________
نموذج آخر من فداء الأسرى ، وهو (( أبو العاص ابن الربيع )) : صهر النبي صلى الله عليه وسلم ، وزوج زينب أكبر بنات النبى صلى الله عليه وسلم ، خالته هى {{ أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها }} ، وكان أبو العاص رجلا شهماً مشهورا بالأمانة فى قريش ، وكان أول صهر للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقد طلبت أمه (( السيدة هالة بنت خويلد )) ، من أختها السيدة خديجة ، أن تتحدث إلى النبى فى أمر زواج إبنها العاص ابن الربيع من زينب ، وكان النبى لا يرد للسيدة خديجة طلبا ، وقد تزوج من زينب قبل بعثة النبى ، وعمرها يومئذٍ أقل من عشر سنوات ..
وكان أبو العاص يحب زينب حباً كبيراً ، وكذلك زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم كانت تبادله نفس الشعور ، وفي هذه الحلقة ، سأبين لكم مدى هذه المحبة ، وكيف فدته زينب من الأسر ..
_________________________________________________________________________
لما نزل الوحي ، وبُعِثَ النبي صلى الله عليه وسلم ، بدأت قريش في عداوتها للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا ردوا عليه بناته .. وقد كانتا كما ذكرنا من قبل {{ رقية وأم كلثوم بنات النبي }} ، معقود قرانهما لأولاد عمهما أبو لهب (( عتبة وعتيبة )) ، فأمرته زوجته {{حمالة الحطب }} ، بأن يطلق عتبة وعتيبة البنتين ، فقاما بتطليقهما على الفور ، وقد ذكرت لكم ذلك في السيرة ..
وكان زوج إبنته الكبرى زينب ، {{ أبو العاص بن الربيع }} ، في تجارته للشام ، فلما رجع من سفره ، ذهبت قريش كلها إليه ، لكي يقنعوه أن يطلق زينب [[ بغرض التضييق على النبي ومحاربته ]] .. فقال أبو العاص : لا وربِ هذه البنية (( أي الكعبة )) ، لا أفارق صاحبتي فليس بيني وبينها ما يدعو لذلك ، ولم أرَ من محمد إلا خيراً ، فأنا لست على دينه ، ولكني لا أفارق إبنته .. فقالوا له :
فارقها ونحن نزوجك بأي امرأة من قريش شئت ، قال : لا والله ، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش ، [[ أى أن زينب عندى أفضل من نساء قريش جميعا ]] .. ورجع لبيته فوجد في استقباله ، زوجته وحبيبته زينب وإبنه علي وإبنته أمامة ..
فحمل أولاده واقترب من زينب وابتسم ، وقال لها : لاعليكِ ، لن ينال أحد مما بيننا يا زينب ، أن تكوني على دينك وأثبت انا على ديني ..
تمسك أبو العاص بزينب من شدة حبه لها ، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي مؤمنة تتبع دين أبيها ، أمسكها ومنعها من الهجرة {{ محبة بها }} ..
ولما هاجرت إبنتا النبي (( أم كلثوم وفاطمة )) مع أهل البيت ، إمتنع أبو العاص عن أن يأذن لزينب بالهجرة فبقيت معه في مكة ، فلما كانت بدر ، خرج مع قومه مكرهاً (( حيث كره القتال ضد النبى والد زوجته )) ، فوقع فى الأسر ..
_________________________________________________________________________
فرآه النبي صلى الله عليه وسلم بين الأسرى ، وهو يعرف حسن مصاهرته ، {{ ولكن سيف الميزان والعدل قائم }} .. مرحباً بصهرنا ، ولكن كان قد سل سيفه علينا ، فأمره النبي بأن يفدي نفسه ، فأرسل إلى قريش يطلب فداء نفسه ..
فلما وصل الخبر إلى زوجته زينب ، بنت محمد رسول الله ..
دخلت عليها عمتها عاتكة تخبرها بانتصار أبيها في بدر فسجدت شكرا لله ، ثم سألت عمتها : وماذا عن زوجي؟؟..
فقالت لها : لم يُقتل زوجك ، ولكنه أسير ويطلب الفداء ..
فقامت زينب رضي الله عنها على الفور ، وجمعت ما معها من مال ، فلم يكفي للفداء ، فنزعت قلادتها من عنقها ، ووضعتها على المال ..
{{ وهذه القلادة ، ذات قيمة معنوية كبيرة }} ، إذ أن زينب ، كانت أول من تزوج من بنات الرسول قبل نزول الوحي ، وفى حياة أمها خديجة بنت خويلد ، صاحبة التجارة وسيدة الأعمال فى قريش ، قبل أن يتزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلما كان يوم زواج إبنتها الكبرى زينب ، وأرادت أن تزف العروس لزوجها (( وهذه أول فرحتها )) ، لم تجد هدية ، أكرم من أن نزعت قلادتها من عنقها ، وألبستها إبنتها زينب (( كما نقول نقطة للعروس )) ، والنبي صلى الله عليه وسلم ، يعرف قلادة خديجة جيدا ، وخديجة أحب الزوجات إلى قلبه صلى الله عليه وسلم ..
_________________________________________________________________________
فلما جاء المرسال ليفدي أبا العاص بن الربيع ، وضع المال بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فنظر النبي في المال ، فوقع نظره على قلادة خديجة .. فخفق قلبه صلى الله عليه وسلم [[ أي أب سيعرف هذه المشاعر والأحاسيس جيدا ، رأى صورة إبنته زينب وزوجته خديجة أمام عينيه ، بمجرد رؤيته للقلادة ]] .. وتذكر محبته وشوقه لخديجة رضي الله عنها ، ورجعت به الذاكرة لسنوات مضت ، فتذكر كيف كانت خديجة مسرورة بزواج إبنتها ، وتراءى أمام عينيه ، مشهد السيدة خديجة وهى تخلع من عنقها القلادة ، وتضعها فى عنق إبنتها زينب ..
فلم يتمالك نفسه ، وبكى صلى الله عليه وسلم ، وذرفت عيناه الدموع شوقا لخديجة اولاً ، وعندما تذكر إبنته زينب ثانيا ، ورأى أمامه صورة حية لمدى معزِّة الزوجة لزوجها ، وتضحيتها بأغلى ما تملك من أجله ، وأيضا تقديرا منه لإبنته ، لأنها لم ترسل رسالة لأبيها كى تتشفع لأبي العاص ، وإنما تركت أمرها وأمر زوجها ، يجري عليهما ما يجري على الجميع ..
فلما بكى النبي سأله اصحابه :
ما يبكيك يا رسول الله؟؟..
فكفكف دمعه بكم قميصه وقال : لقد تذكرت هذه القلادة لأمكم الأولى خديجة ، ألبستها لزينب ليلة زفافها ، فقالوا : ماذا ترى يا رسول الله؟؟..
قال : إن شئتم فاقبلوا الفداء ، وإن شئتم اطلقوا زوجها وردوا عليها قلادتها ، [[ يعني خذوا باقي المال وردوا لها القلادة ، هذا إذا اردتم ]] .. فقال الصحابة : نفعل يا رسول الله ، فأطلقوه وحمَّلوه القلادة هدية لزينب ..
_________________________________________________________________________
وقبل ان ينطلق ، استوقفه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : يا أبا العاص ، لقد فرق الله بين المؤمنين والكافرين ، فزينب لا تحل لك زوجة بعد اليوم ، فإذا بلغت مكة ، أرسلها الينا من غير إبطاء ، فقال له : نعم ، ثم استدار عائدا إلى مكة ، وهو لا يدري كيف سيحتمل أن يرسل زينب ، فهو لا يستطيع أن يفارقها ..
خرجت زينب تستقبل أبا العاص على أبواب مكة ، ولكن أبا العاص بادر إلى الوفاء بعهده ، فلما رآها قال لها بألم : يا زينب عودي إلى أبيكِ ..
ثم جهز لها زادها وراحلتها ، وأخبرها بأن رسل أبيها فى انتظارها غير بعيد عن مكة ، فلقد أرسل رسول الله ، زيد بن حارثة ورجل من الأنصار ، كى يصطحبوها للمدينة ..
ومن شدة حبه لها ، لم يتمالك نفسه بأن يوصلها الى أطراف البادية ويودعها ، فقد كان لا يحتمل لحظة الفراق ..
فندب أخاه عمرو بن الربيع ، على أن يرافقها ويسلمها عند أطراف البادية لزيد بن حارثة ، وقال لأخيه : يا أخي ، إنك لتعلم موضعها من نفسي ، فما أُحبّ أن لي امرأه من قريش غيرها ، وإنك لتعلم ألا طاقة لي بأن أفارقها ، فاصحبها عني إلى طرف البادية حيث ينتظر رسولا محمد ، وارفق بها في السفر ، وارعها رعاية الحرمات ، وإياك أن يقترب منها أحد ..
_________________________________________________________________________
تنكب عمرو بن الربيع قوسه ، وحمل كنانته (( الكنانة هى جعبة صغيرة من جلد لوضع الأسهم )) ، وجعل زينب في هودجها ، وخرج بها من مكة جهارا نهارا على مرأى من قريش ، فهاج القوم وماجوا ، ولحقوا بهما حتى أدركوهما غير بعيد ، وروعوا زينب وأفزعوها بعد أن وجه هبار بن الأسود (( قبل إسلامه )) ، ومعه نافع بن عبد قيس ، رمحا للناقة التى عليها زينب رضى الله عنها ، فاضطربت الناقة وسقطت زينب وكانت تحمل جنينها ، فأسقطته وبدأت تنزف .. عند ذلك وتر عمرو قوسه ، ونثر كنانته بين يديه ، وقال : "والله لا يدنو رجل منها إلا وضعت سمها في نحره" ، وكان راميا لا يخطئ له سهم .. فأقبل عليه أبو سفيان بن حرب ((وكان قد لحق بالقوم)) ، وقال له : "يا بن أخي ، كف عنا نبلك حتى نكلمك" ، فكف عنهم ، فقال له : "إنك لم تُصِب فيما صنعت ، فلقد خرجت بزينب علانية على رؤوس الناس وعيوننا ترى ، وقد عرفت العرب جميعها أمر نكبتنا في بدر ، وما أصابنا على يدي أبيها محمد .. فإذا خرجت بابنته علانية (( كما فعلت )) ، رمتنا القبائل بالجبن ووصفتنا بالهوان والذل ، فارجع بها واستبقها في بيت زوجها أياما ، حتى إذا تحدث الناس بأننا رددناها ، فسلها من بين أظهرنا سراً ، (( أى أخرجها سراً )) ، وألحقها بأبيها ، فما لنا بحبسها عنه حاجة" ..
فرضي عمرو بذلك وأعاد زينب إلى مكة ، ثم ما لبث أن أخرجها منها ليلاً بعد أيام معدودات ، وأسلمها إلى رسل أبيها يداً بيد كما أوصاه أخوه ..
__________________________________________________________________________
ظلت زينب ترفض الخطاب لمدة ست سنوات ، على أمل أن يعود إليها زوجها مسلماً ..
وحدث أن كان أبو العاص يوما ، في تجارة لقريش إلى الشام ، وعند عودته التقته سرية من المسلمين ، فأصابوا كل ما معهم وهرب هو منهم ، وتسلل حتى وصل إلى المدينة لبيت زينب ، فلما رأته ظنت أنه قد أسلم ، فسألته بلهفة أجئت مسلما ؟؟!!!
قال لها : لا ، بل جئت هارباً مستجيراً .. فقالت له : لا تخف ، مرحبا بابن الخالة ، مرحبا بأبي علي وأمامة ..
و لما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم لصلاة الفجر ، [[ ولم يكن يعلم أن أبا العاص استجار بزينب ]] .. فلما استوى قائما في المحراب ، وكبَّر للإحرام وكبَّر الناس بتكبيره ، صرخت زينب من صفة النساء (( مكان فى المسجد مخصص للنساء )) ، وقالت :
أيها الناس ، {{ أنا زينب بنت النبى ، وقد أجرت أبا العاص فأجيروه }} .. فلما سلم النبي وانتهى من الصلاة ، التفت إلى الناس وقال : هل سمعتم ما سمعت؟!.. قالوا : نعم يا رسول الله ، فقال : أما والذى نفس محمد بيده ، ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتم ، وصمت .. فجاءت إليه ابنته زينب وقالت : يا رسول الله ، إن أبا العاص إن بعُد فابن الخالة ، وإن قرُب فأبو الولد ، وقد أجرته يا رسول الله ، [[ يعني مهما حدث ، يظل إبن خالتي وأبو أولادي ]] .. فقال النبي : يا أيها الناس ، إن هذا الرجل ما ذممته صهرا ، وإن هذا الرجل حدثني فصدقني ، ووعدني فوفَّى لي ، فإن قبلتم أن تردوا إليه ماله ، وأن تتركوه يعود إلى بلده ، فهذا أحب إلي ، وإن أبيتم فالأمر إليكم ، والحق لكم ولا ألومكم عليه .. فقال الناس : بل نعطه ماله يا رسول الله ..
فقال النبي : قد أجرنا من أَجرتِ يا زينب ، ثم ذهب إليها عند بيتها وقال لها : يا زينب ، أكرمي مثواه فإنه ابن خالتك وإنه أبو العيال ، ولكن لا يقربنَّك ، فإنه لا يحل لك ، فقالت : نعم يا رسول الله ..
_________________________________________________________________________
فلما ذهب أبو العاص إلى مكة ، وقف أمام الكعبة ، وأخذ يوزِّع أموال التجارة الرابحة على أصحابها .. وبعد أن فرغ ، قال : يا معشر قريش ، هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟؟..
فقالوا : لا ، جزاك الله خيرا ، فقد وجدناك وفيا كريما .. فنظر إليهم ورفع صوته قائلا : إذاً فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله .. ثم رجع ودخل المدينة فجرا ، وتوجه إلى النبي وقال : يا رسول الله ، أجرتني بالأمس ، واليوم جئت أقول أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، ثم قال : يا رسول الله ، هل تأذن لي أن أراجع زينب؟؟.. فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : تعال معي ، ووقف على بيت زينب وطرق الباب ، وقال : يا زينب ، إن ابن خالتك جاء لي اليوم يستأذنني أن يراجعك ، فهل تقبلين؟؟.. فأحمرّ وجهها وابتسمت رضي الله عنهما ..
أسلم أبو العاص ورد له النبي صلى الله عليه وسلم زوجته ، لكنها لم تدُمْ معه طويلًا ، فإنها كانت تُعاني من ألمٍ ونزيفٍ مستمر (( منذ يوم هجرتها وسقوطها من على الناقة )) ، قد استمرَّ معها النزيف قريبًا من ستِّ سنوات ، فعاش أبو العاص معها قرابة العام ، وقد كان زوجها قريبا منها ، لأنها كانت فى احتياج إلى من يطبِّبها وخاصة فى شهورها الأخيرة ..
وكما قلنا كان لهما من الأولاد علي بن أبي العاص ، وأمامة بنت أبى العاص ..
قال ابن حجر : "اتفق أهل العلم بالنسب ، أن زينب لم تلِدْ لأبي العاص إلا عليّاً وأُمَامة فقط .. فأما عليّ فقد مات صغيرا ، عندما ناهز الاحتلام ، ومات في حياة النبى صلى الله عليه وسلم" .. وأما أمامة رضي الله عنها ، فتزوجت من على ابن أبى طالب بعد وفاة خالتها فاطمة بنت النبى ، وبعد وفاة على تزوجت من المغيرة بن نوفل ، وتوفيت عنده في عهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ..
والجدير بالذكر ، أن أمامة لم تلد لعلى ولا للمغيرة ، كما أنه ليس لزينب ولا لرقية ولا لأم كلثوم بنات الرسول عقب ، وإنما العقب لفاطمة فحسب ..
_________________________
_________________________________________________
و {{ أمامة }} ، هي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحملها أثناء الصلاة وهي طفلة صغيرة ، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها ، كان يحبها صلى الله عليه وسلم ويعطف عليها ..
وذات يوم ، أُهدِي لرسول الله قلادة من خرز ملمعة بالذهب ، وكانت نساؤه مجتمعات جميعهن فى بيت واحد ، وأُمامة بنت أبي العاص جارية صغيرة ، تلعب في جانب البيت بالتراب ، والرسول صلى الله عليه وسلم ، ينظر إليها بحب وحنان ، فابتسم وقال : كيف ترينَ هذه؟؟.. فنظرن إليها فقلن : يا رسول الله ، ما رأينا أحسن من هذه ولا أعجب ..
[[ يعني مثل أن نقول عندما نشاهد طفل جميل وهو يلعب : ماشاء الله ، لا قوة إلا بالله ]] ..
فقال : أرددنها إلي ، [[ أى احضروها لي ]].. فلما وضعها في حِجره قال : والله لأضعنّ هذه القلادة في رقبة أحب أهل البيت إلي .. تقول عائشة : فأظلمت عليّ الأرض بيني وبينه ، خشية أن يضعها في رقبة غيري منهن [[ من شدة غيرة عائشة رضي الله عنها ، اسودت الدنيا بعيونها ، خشية أن يضعها برقبة واحدة من زوجاته ]] ، ولا أراهن إلا قد أصابهن مثل الذي أصابني ، ووجمنا جميعا .. [[ يعني كل زوجاته شعروا بنفس شعوري ، وجلسنا جميعنا ننتظر النتيجة ]] ، فقام النبى صلى الله عليه وسلم ، بوضعها في رقبة أمامة بنت أبي العاص ، فسُرِّيَ عنّا ، [[ أى لما وضعها برقبة أمامة ، إرتحن جميعهن ]] ..
_________________________________________________________________________
وبعد أن استمر أبو العاص مع زينب عامًا كاملًا تقريبًا ، وذات ليلة بعد أن لَمَّ اللهُ شمْلَ الحبيبين ، وبعد أن أقرَّ الله عين بنت خليله صلى الله عليه وسلم بتحقيق أمنيتها ، وتلبية أجمل ما كانت ترجوه ، لمن كان معها خلوقًا كريمًا وشهمًا أبيًّا ، وبعد أن كان مُصِرًّا على الكفر وعلى دين آبائه ، فشرح الله صدره للإسلام ، ودخل رغبةً وحبًّا لدين الله ، ماتت زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها وأرضاها ، فى العام الثامن من الهجرة ، فبكاها زوجها أبو العاص بكاءً شديداً ، ورغم حزن النبي صلى الله عليه وسلم على فراق إبنته ، أخذ يهوِّن على أبو العاص حزنه ، لأنه فجع بوفاة زينب لشدة محبته لها ، أخذ صلى الله عليه وسلم يهوِّن عليه ، ويمسح بيده الشريفة علي رأسه ، وابو العاص يبكي ويقول :
{{ والله يا رسول الله ، ما عدت أطيق الدنيا بغير زينب }} !!..
وقد عاش أبو العاص حتى خلافة أبو بكر الصديق ، وتوفى فى ذى الحجة من السنة الثانية عشرة للهجرة ..
وقد أرسل النبى لاحقا ، سرية لقتل هبّار ونافع ، (( اللذان تسببا فى سقوط زينب من على بعيرها يوم خروجها للهجرة ، فما زال الأذى الذى لحق بها ، ما أدى لوفاتها فيما بعد )) ، فقال : «إنْ ظَفِرْتُمْ بِهَبَّارِ ابْن الْأَسْوَدِ ، أَوْ الرَّجُلِ ((أي نافع بن عبد قيس)) ، الَّذِي سَبَقَ مَعَهُ إلَى زَيْنَبَ ، فَحَرَّقُوهُمَا بِالنَّارِ» .. ثمّ في اليوم التالي أرسل للسريّة : «إنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ بِتَحْرِيقِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إنْ أَخَذْتُمُوهُمَا ، ثُمَّ رَأَيْتُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إلَّا اللَّهُ ، فَإِنْ ظَفَرْتُمْ بِهِمَا ، فَاقْتُلُوهُمَا ..
__________________________________________________________________________
وجاءت وفاة إبنته زينب ، لتضيف حلقة جديدة من حلقات الأسى وألم الفراق ، الذى ما زال يتوالى على النبى صلى الله عليه وسلم ، ليعتصر قلبه حزنا وألما ، فكان كلما استقرَّ جاءته عاصفة الفِراق فعصفت به ، فقبل عشر سنوات فارق زوجته الطاهرة السيدة خديجة ، ومن قبلها ، لمَّا رُزق بابنٍ منها وهو القاسم الذى كان يكنى به ، فاضَتْ رُوحه إلى خالقها ، ثم لما رزق منها بإبن آخر وهو عبد الله ، مات أيضا ، ثم لما بُعِث ، إذا بابنتاه رقية وأم كلثوم وقد أصبحتا مطلقتان مطرودتان ، فيصبح ذلك الأب الذي يعول ثلاث بنات ، قبل أن تتزوج رقيَّة من عثمان بن عفان ، وهو فى نفس الوقت مأمور بإبلاغ الرسالة ، ثم تأتي الهجرة فيُهاجر النبي صلى الله عليه وسلم وبناته كذلك ، حتى إذا كانت غزوة بدر مرضت رقيَّة رضي الله عنها ، فيفقدها صلى الله عليه وسلم فى العام الثانى من الهجرة ، وهو في الغزوة يجاهد أعداء الله ، ويجاهد قلبه الأبويَّ وهو يعلم بأن ابنته مريضة تُصارع الموت ، ثم تموت زوجته أم المساكين زينب بنت خزيمة فى شهر ربيع الآخر من العام الرابع للهجرة ، ثم ها هو يودَّع صلى الله عليه وسلم كبرى بناته "زينب" ، صاحبة القلادة الخديجيَّة فى العام الثامن للهجرة .. أضف إلى كل ذلك ما عاناه صلى الله عليه وسلم منذ نعومة أظافره ، حيث ولد يتيما لوفاة والده عبد الله قبل ولادته ، ثم فجع بوفاة والدته وهو إبن ٦ سنوات ، ثم تبناه جده عبد المطلب فتوفى والنبى إبن ثمانِ سنين ، فتولاه عمه أبو طالب الذى توفى أيضا بعد بعثته ، فى الوقت الذى كان صلى الله عليه وسلم فى أمس الحاجة إليه ، كى يدافع عنه ويحميه من أذى قريش .. وإذا تقدمنا للأمام فى السيرة ، تأتى وفاة إبنته أم كلثوم فى شعبان من العام التاسع للهجرة ، ثم تأتى الصدمة الكبرى بوفاة إبنه إبراهيم ، (( الذى رُزِق به من مارية القبطية المصرية )) ، فى جمادى الثانى من السنة العاشرة للهجرة ، وكان إبراهيم قد بلغ من العمر ثمانية عشر شهرا .. كل هذا بالإضافة إلى معاناته منذ بعثته صلى الله عليه وسلم ، وما لاقاه وما تحمل من أهوال فى نشر الدعوة ، ووضع حجر الأساس لبناء دولة الإسلام .. فكانت حياة النبى سلسلة متصلة من الابتلاءات ، إلى أن لحق صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى ، فى يوم الإثنين الثانى عشر من ربيع الأول فى العام الحادى عشر للهجرة ، وقد لاقى ما لاقى ، ولكنه صلى الله عليه وسلم ، إمام الصابرين ، المتربِّع على عرش قول الله عز وجل : ﴿{ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ }﴾ صدق الله العظيم ،،،
يتبع إن شاء الله .. فداء الاسرى ،،
_______________ #الأنوار_المحمدية ______________
____________ صلى الله عليه وسلم ________________
