هيا بنا ..
هذا نبينا من أراد القدوه فليقتدي
ومن أراد الهدي هذا محمدا فليهتدي
مازلنا فى رحاب السيره المحمدية العطره
الحلقه السابعه (٧)
#الحبيب المصطفى « ١٥٣ »
السيرة المحمدية العطرة .. (( محاولة قتل النبي صلى الله عليه وسلم أثناء فداء الأسرى ))
_________________________________________________________________________
من الأحداث التي وقعت بعد بدر أيضاً أثناء فداء الأسرى ، ونختم بها حديثنا عن بدر ، هي محاولة قتل النبي صلى الله عليه وسلم ..
{{ عمير بن وهب الجمحى }} :
من أشد كفار قريش عداوة للإسلام ، وكان من أشدهم إيذاءاً للمسلمين وللرسول صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة ، وقد اشترك {{ عمير بن وهب }} في بدر ، واشترك أيضا إبنه {{ وهب بن عمير بن وهب }} .. وكانت هزيمة قريش ، فهرب {{ عمير بن وهب }} عائدا إلى مكة ، بينما وقع إبنه {{ وهب بن عمير }} في الأسر ..
وعمير بن وهب ، يعرف فى قريش بهذا اللقب : {{ شيطان قريش }} ، يعني ماعجزت عنه قريش كلها ، يمكن أن يدبٍّره عمير بن وهب .. وهو الذي جال بفرسه يوم بدر ليحصى عدد المسلمين ، فأبلغ قريش أن العدد ٣٠٠ ، ينقصون قليلا أو يزيدون قليلا ..
_________________________________________________________________________
عمير بن وهب في مكة الآن ، حزين مهموم بعد بدر ، فذهب للكعبة فوجد صديقه يجلس في حجر الكعبة ، واسمه {{ صفوان بن أمية }} ..
صفوان بن أمية أبوه قتيل في بدر {{ أمية بن خلف }} ، وهو الذي انتفخ سريعاً ، وتفسخ به الدرع فلم يستطيعوا أن يحملوه ، فأمر النبي بعمل حفرة له وردمه في مكانه ، فردموه بالحجارة والتراب ، وكان إبنه {{ صفوان }} من الفارين الناجين يوم بدر ، بعد أن رأى مصرع أبيه ..
وكما ذكرنا من قبل ، كان (( وهب بن عمير بن وهب )) ، أسيرًا لدى المسلمين ، فكان عمير بن وهب يريد أن يفُكَّ إبنه من الأسر ، وكان بقلبه حقد كبير على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلس هو وصفوان بن أمية في حِجْر الكعبة يتذاكران أمر بدر ، ويتحدثون عن مصابهم ، وكان أبو صفوان وأخوه قد قُتِلا في بدر أيضًا ، فقال صفوان : "والله إنْ في العيش بعدهم خير" ، أي : (( لا خير في العيش بعد أن قُتِل هؤلاء )) ، فقال له عمير : "صدقت والله ، أما والله لولا دَيْنٌ عليَّ ليس له عندي قضاء ، وعيال أخشى عليهم الضَّيْعة بعدي ، لركبتُ إلى محمد حتى أقتله ، فإني لي قِبَلَهم عِلَّةً ، إبني أسيرٌ في أيديهم" ..
[[ أرأيتم : كافر ويخشى أن يموت وعليه دين لم يسدده ، هكذا كان العرب معدنهم أصيل رغم كفرهم ، أما اليوم نسأل الله العافية ، أصبحنا لا عرب ولا مسلمين !!! ]] ..
__________________________________________________________________________
قال عمير : لو لم يكن ما ذكرته ، لركبت إلى محمد حتى أقتله ، أتحجج بأنى ذاهب لفداء إبنى ، وأقتل محمد غدرا بين أصحابه ، فانتهز صفوان الفرصة وقال :
أنا صفوان بن أمية (( يعنى أنت تعرفنى جيدا )) ، "عليَّ دينك أنا أقضيه عنك ، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا" ..
[[ يعنى أولادك ، طالما أى واحد منهم على قيد الحياة ، نفقتهم علىّ ولن أقصِّر معهم ]] ، فانفذ ما تقول (( يعنى ، إذهب واقتل محمد بموجب هذا الاتفاق )) ..
قال عمير : "فاكتم عني شأني وشأنك" .. أى اكتم الأمر ودعه بينى وبينك ، [[ كما كان النبى يأمر أصحابه " استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان" ]] ..
قال صفوان : "أفعل" ، وتعاهدا عند الكعبة ألا يعلم بحديثهم ثالث أبدا ..
إنصرف صفوان ، وذهب عمير بن وهب مباشرة إلى داره ، وجهَّز سيفه جيدًا ، ووضعه في السُّمِّ مدةً (( أى سقاه بالسم ، حتى إذا لم يكن قاتلا فى الحال وجرح النبى صلى الله عليه وسلم ، سرى السم فى النبى فمات بعد أيام معدودة )) ، ثُمّ توشح بسيفه وركب دابته ، وانطلق حتى قدم المدينة المنورة ، ووصل إليها ومرَّ على مجموعة من أصحاب النبي يتحدثون في أمر بدر ، وكان من بينهم عمر بن الخطاب ، وأناخ راحلته على باب المسجد وهو متقلد سيفه ، فلما رآه عمر وكان صاحب فراسة شديدة ، قال : "هذا الكلب عدو الله عمير ، ما جاء إلا لشرٍّ" .. فقالوا له : يا عمر ، إن له أسيرا ، فقال عمر : والله ما لهذا قَدُم .. {{ يقول النبى صلى الله عليه وسلم : إتقوا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور الله }} ،
فدخل عمر سريعًا على رسول الله وقال : "يا رسول الله ، هذا عدو الله عمير بن وهب شيطان قريش بباب المسجد ، قد جاء متوشِّحًا سيفه" ، فقال النبى : "فَأَدْخِلْهُ عَلَيَّ" ..
فجاء عمر إلى عمير وقال له :
ما الذى جاء بك؟؟..
قال : جئت فى هذا الأسير الذى عندكم ، لعلكم تحسنون فيه ..
__________________________________________________________________________
فلبَّبَهُ عمر بحمالة سيفه ، أي أمسكه وأخذ منه سيفه ، وعلَّقه فى عنقه ، وجذبه عمر بشدة ودخل به المسجد ، وأدخله مكتوفًا على رسول الله ، ولم يكتفِ عمر بذلك ، بل قال لرجال من الأنصار : "ادخلوا على رسول الله فاجلسوا عنده ، واحذروا عليه من هذا الخبيث ، فإنه غير مأمون" ..
ولما دخل به عمر على رسول الله بهذه الهيئة ، قال له الرسول في بساطة شديدة : "أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ (( أى اتركه )) ، وقال لعمير : "ادْنُ يَا عُمَيْرُ" .. فدنا وقال : "أنعموا صباحًا" ، فقال النبى : "قَدْ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِتَحِيَّةٍ خَيْرٌ مِنْ تَحِيَّتِكَ يَا عُمَيْرُ ، بِالسَّلاَمِ تَحِيَّةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ" .. ثم قال صلى الله عليه وسلم : "مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَيْرُ؟" ..
قال : "جئتُ لهذا الأسير الذي في أيديكم (( يقصد إبنه )) ، فأحسنوا فيه" ..
قال رسول الله : "فَمَا بَالَ السَّيْفِ فِي عُنُقِكَ؟"
قال عمير : "قَبَّحَهَا اللَّهُ مِنْ سُيُوفٍ ، وَهَلْ أَغْنَتْ عَنَّا بِالْأَمْسْ شَيْئًا" ، إنه سلاح المسافر ..
فنهض النبى صلى الله عليه وسلم وجذبه من ثيابه ، وقال : "اصْدُقْنِي ، مَا الَّذِي جِئْتَ لَهُ؟" ..
قال : ما جئتُ يا محمد إلا لهذا ..
قال النبى : "بَلْ قَعَدْتَ أَنْتَ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ فِي الْحِجْرِ ، فَذَكَرْتُمَا أَصْحَابَ الْقَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ ، ثُمَّ قُلْتَ : لَوْلاَ دَيْنٌ عَلَيَّ وَعِيَالٌ عِنْدِي لَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْتُلَ مُحَمَّدًا ، فَتَحَمَّلَ لَكَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بِدَيْنِكَ وَعِيَالِكَ عَلَى أَن تَقْتُلَنِي لَهُ ، وَاللَّهُ حَائِلٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ" ..
(( أعاد عليه الكلام كأنه كان يجلس معهم )) ..
فقال عمير : "أشهد أنك رسول الله ، قد كنا يا رسول الله نكذِّبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء ، وما ينزل عليك من الوحي ، وهذا أمرٌ لم يحضره إلا أنا وصفوان ولم يطلع عليه ثالث ، فوالله إني لأعلم أن ما أتاك به إلا الله ، فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق" ، وإنى "أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله" ..
وسبحان الله!!.. فعمير إنما جاء لقتل النبي ، ولكن الله أراد به خيرًا ، فأصبح من كبار أصحاب النبى ، فهو ترتيبٌ ربَّانيّ عجيب .. فلما شهد عمير بن وهب شهادة الحق وأعلن إسلامه ، قال رسول الله لأصحابه : "فَقِّهُوا أَخَاكُمْ فِي دِينِهِ ، وَعَلِّمُوهُ الْقُرْآنَ ، وَأَطْلِقُوا أَسِيرَهُ" ، ففعلوا ..
__________________________________________________________________________
وكان صفوان بن أمية حين خرج عمير بن وهب ، يقول فى مكة : "أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام ، تنسيكم وقعة بدر" ، (( يقصد البشارة بقتل الرسول )) ، وكان صفوان يسأل عنه الركبان ، حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه ، فحلف أن لا يكلمه أبدًا ، ولا ينفعه بنفعٍ أبدًا ، وظل كذلك بالفعل حتى فتح مكة ..
وأود أن أذكر هنا أمرًا إيجابيًّا كان عند عمير بن وهب ، فما إن أسلم (( وليس عنده من العلم إلا القليل )) ، حتى قال : "يا رسول الله ، إني كنتُ جاهدًا على إطفاء نور الله ، شديد الأذى لمن كان على دين الله ، وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة ، فأدعوهم إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام ، لعل الله يهديهم ، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنتُ أُؤذي أصحابك في دينهم" ، فأذن له رسول الله ، فلحق بمكة ..
ومع أن كل ما تعلمه عمير ، ما هو إلا مجموعة قليلة جدًّا من الآيات والأحكام ، إلا أنه كان يمتلك إيجابية عظيمة للغاية ، فرجع إلى مكة المكرمة وبدأ يدعو إلى الله ، وكان من عائلة قوية ((بني جمح)) ، فاستطاعوا حمايته ، وكان سيِّد قومه ، وظل يدعو إلى الله حتى فتح مكة ، وبعد فتح مكة ، كان له دورٌ كبير في إسلام صديقه القديم صفوان بن أمية ، ودخوله في حظيرة الإسلام ..
وبعد .. فقد كانت هذه ، إحدى محاولات قريش الفاشلة ، لقتل النبي في المدينة المنورة ، وانتهت كما رأينا بإسلام عمير بن وهب ..
يتبع بإذن الله ..
الأنوار_المحمدية
صلى الله عليه وسلم
