بقلم /أيمن بحر
ليست المواجهة الدائرة مجرد تبادل للصواريخ ولا سباقا فى عدد الطلعات الجوية بل هي فى جوهرها حرب زمن تختبر قدرة الأطراف على الاحتمال أكثر مما تختبر قدرتها على التدمير
تقرير صادر عن Foreign Policy أعاد طرح السؤال الأخطر فى أى صراع حديث من ينفد مخزونه أولا ومن يملك القدرة على الاستمرار حين تطول المعركة ويتحول التفوق التقنى إلى عبء إنتاجيطى ومالى
الولايات المتحدة وإسرائيل دخلتا المواجهة بعقيدة الضربة الخاطفة القائمة على التفوق الجوى والذخائر الدقيقة والمعلومات الاستخباراتية المركزة وشل منظومات القيادة والسيطرة وإسقاط الخصم نفسيا قبل إسقاطه عسكريا وهى الفلسفة المعروفة باسم الهيمنة متعددة المجالات أو MDO التي تقوم على صدمة سريعة وانهيار سريع ونهاية سريعة
لكن التجارب التاريخية تؤكد أن أي حرب لا تحسم في جولتها الأولى تتحول تلقائيا إلى حرب استنزاف حيث تختبر القدرة على التعويض والإنتاج وتحمل الكلفة السياسية والاقتصادية والتماسك الداخلي والتكنولوجيا مهما بلغت دقتها تختصر الوقت لكنها لا تلغي قانون الاستنزاف
المعضلة الكبرى التي يسلط التقرير الضوء عليها هي الذخائر الذكية ففي القرن الماضي كانت الحروب تقاس بعدد القذائف أما اليوم فتقاس بعدد الصواريخ الدقيقة مرتفعة الكلفة بطيئة الإنتاج المحاكاة العسكرية داخل الولايات المتحدة تشير إلى أن المخزونات عالية الدقة قد تتآكل خلال أيام أو أسابيع في صراع مكثف وهو ما يحول التفوق التقني إلى سباق صناعي مع الزمن
في المقابل تبدو الاستراتيجية الإيرانية مختلفة فهي لا تبحث عن نصر عسكري تقليدي بقدر ما تراهن على إغراق خصومها في عامل الوقت إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ والمسيرات في زمن قصير ليس بالضرورة سعيا لاختراق كامل بل محاولة لإرهاق منظومات الاعتراض ورفع كلفة الدفاع وجعل الاستهلاك أسرع من الإنتاج وهنا يتحول الزمن إلى سلاح قائم بذاته
المعادلة تصبح واضحة طرف يحتاج إلى نهاية سريعة لتثبيت صورة الردع وطرف آخر يحتاج فقط إلى ألا تنتهي الحرب بسرعة وعندما تتباين الأهداف بهذه الصورة يصبح السؤال الحقيقي ليس من يملك القدرة على الضربة الأقوى بل من يملك النفس الأطول
في الخلفية تبرز الصين كلاعب صامت لا يطلق صاروخا لكنه يمتلك مفاتيح مؤثرة في سلاسل الإمداد الصناعية العالمية المعادن النادرة وأشباه الموصلات ومواد مثل الجاليوم تدخل في تصنيع أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية وأي اضطراب في تدفق هذه المكونات يعني تباطؤا في التعويض وارتفاعا في الكلفة واتساعا في دائرة القلق إلى جبهات أخرى من أوروبا إلى تايوان لتتحول الحرب من مواجهة إقليمية في الميدان إلى معركة عالمية في المصانع
الداخل الأمريكي بدوره عنصر حاسم في معادلة الاستنزاف فكل يوم إضافي يعني فاتورة مالية وضغطا سياسيا واستقطابا حزبيا وتساؤلات حول الهدف النهائي الحروب السريعة تعزز الالتفاف الداخلي أما الحروب الطويلة فتفتح باب الجدل حول الكلفة والجدوى ومع اقتراب أي استحقاق انتخابي يصبح عامل الزمن أكثر حساسية
التحدي الأخطر يتمثل في الفجوة بين النجاح التكتيكي والنتيجة السياسية فقد تنجح الضربات الجوية في تحقيق أهدافها العسكرية المباشرة لكن بقاء الخصم صامدا سياسيا يعني أن المعركة لم تنته وإذا استنفدت الأهداف القابلة للقصف دون تحقق تغيير استراتيجي واضح فإن الاستمرار في القصف يتحول إلى حلقة مغلقة تستنزف الموارد دون حسم
في المحصلة تبدو الصورة أكثر تعقيدا من سؤال من الأقوى عسكريا الولايات المتحدة وإسرائيل قد تملكان الساعة ودقة التخطيط للضربة الأولى وإيران تراهن على الوقت والصبر والصين تمسك بمفاتيح صناعية مؤثرة والداخل الأمريكي يحتفظ بقرار الاستمرار
الحرب هنا ليست سباقا في عدد الصواريخ بل سباقا في القدرة على التحمل إذا انتهت سريعا ينتصر من خطط للصدمة وإذا طالت ينتصر من خطط للصبر وبين السماء التي تحسمها القوة الجوية والتاريخ الذي يحسمه الاستنزاف يبقى السؤال المفتوح من سينفد صبره أولا
