JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
Home

فوق مسرح الادعاء هل يكشف الصمت الأقنعة


بقلم / محمد جابر 

الممر مئة وسبعة عشر


ممرات الحياة لا يحتاج المرء فيها إلى رفع صوته كي يسمعه الحمقي فكل لبيب بالاشارة يفهم ولا إلى إعلان صاخب لحضوره كي يثبت وجوده بين مرتزقه وأفافين فثمة حكمة قديمة تتجدد تقول إن الهدوء في كثير من الأحيان ليس علامة ضعف بل تعبير عن وعي يتجاوز صخب اللحظة ويقرأ ما وراء الكلمات فسئمت الروح من رؤيتهم وشاءت الأقدار للجمع بهم 


في هذا الممر تستطيع أن تتكئ الي حائطه هادئا غير مبالي فظاهريا تبدو مغلق الشفتين بإحكام كأنك تراقب الممر في عتمته من خلف ستار مهتريء يتيح لك أن ترى ولا ترى وأن تسمع دون أن تنخرط في هراء لا طائل منه في هذا الموقع من الممر يستطيع المتأمل حول هؤلاء أن يدرب عقله على فضيلة نادرة هي فضيلة الإصغاء وهنا ليس بوصفه  مشاركة في الحوار بل بوصفه أداة للفهم العميق لما يدور في العقول الخربه والقلوب المريضه حيث كثرت وعج بها الممر


فان كانت الممرات تمتلئ بقدر هائل من ثرثرة التجمعات بأنواعها بين دعوات للأفطار وندوات ومؤتمرات والعالم من حولهم في ممر يحترق وساحات مشتعلة فهذا المشهد البائس من تلك التجمعات التي تتدفق بلا انقطاع وتلك الكلمات تتراكم فوق بعضها أو معظمها وآراء تتناسل من غير سند شرعي أو معرفي راسخ وجموع تتحدث بثقة مفرطة عن خبرة الحياة واحلام المستقبل وهراء المسلسلات وهم ابعد ما يكونوا عنها وشعارات عن قوة الشخصية بينما تخفي في أعماقها هشاشة إنسانية لا تخطئها عين المتأمل ووعظ لا يمس له بصله كأننا بصدد دين جديد إن هذا التناقض بين المظهر والجوهر هو أحد أكثر الظواهر حضورا في المجال العام حيث يتقن البعض فن الادعاء أكثر مما يتقنون فن المعرفة وما أكثرهم قليلوا الخبره ليقعوا في براسن الاوغاد 


وفي تلك اللحظات المريره يصبح الصمت الصاخب  أداة تحليل لا مجرد موقف سلبي فالمراقب الهادئ يدرك أن كثيرا من الصلابة المعلنة ليست سوى قناع يخفي قلق داخلي وأن ما يبدو علي صورة اليقين المطلق ليس في حقيقته إلا محاولة لتعويض نقص داخلي و فراغ معرفي أو عاطفي هكذا تتكشف للعين الهادئة خرائط النفوس وتظهر الفوارق  بين من يقول ومن يفعل وبين من يتحدث عن التجربة ومن عاشها بالفعل وبين افك وهراء كانوا سببا فى عزوف القامات والمفكرين 


ومن المفارقات أن أكثر الأصوات صخب ليست بالضرورة أكثرها عمق فكثيرا ما تتحول تجمعات المجال العام إلى مسرح شعارات وخطابات عالية النبرة لكنها فقيرة في مضمونها بينما يقف العقل المتأمل في ركن الممر المعتم مكتفيا بابتسامة ساخرة لا تحمل احتقار بقدر ما تحمل إدراك لطبيعة البشر ولحدود ما يمكن أن يقال في ممر يحرق ذاتيا بعد أن تضخمت فيه الكلمات وتقلصت فيه المعاني وإزاح الله ستره عن الكثيرين 


في هذا الممر تصبح الابتسامة نوعا من الحكمة الصامتة ابتسامة من يدرك أن الحقيقة لا تحتاج دائما إلى جدال وأن الوعي الحقيقي لا يسعى إلى إثبات نفسه في كل لحظة بل يكتفي أحيانا بأن يترك الزمن يكشف التناقضات بنفسه 


وهكذا يمضي المراقب في ممر الحياة هادئ متزن ينصت أكثر مما يتكلم ويقرأ الوجوه أكثر مما يصدق الكلمات وبين ضجيج الدعوات وهدوء الذات تتشكل تلك المسافة الرفيعة التي تمنح الإنسان قدرة نادرة على الفهم ومعرفة حقيقة ادعاءات باتت فاضحه


وعندما ينتهي مشهد تجمعهم ويخفت صوت ضجيجهم يعود كل شيء إلى سكونه الأول فيبتسم العارف مرة أخرى لا انتصارا على أحد بل إدراك لطبيعة المسرح البشري ثم يخلد إلى النوم تاركا العالم يواصل ثرثرته التي لا تنتهي. ويتغير العالم ويبقي الممر قابعا يحاكي الكلم

NameEmailMessage