JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

انطباعات فنية مكفوفون .. لكن فنانون !! ليسوا مثاليين .. ومنهم الجائع والمرفه!!

 



بقلم / حزين عمر
مكفوفون .. لكن فنانون !!
ليسوا مثاليين .. ومنهم الجائع والمرفه                                                                                                            

يرون بالبصيرة ما لا نراه بالبصر.. وكأن العبقرية صفة من صفاتهم ؛ عوضت نظرهم المباشر..وحينما كف النظر السطحي رأوا ما وراء الأشياء ؛ وأبعاد الوجود الإنساني ..وانكشفت لهم حكمة الحياة ..فهل كان هوميروس وبشار بن برد وأبوالعلاء المعري و ميلتون وطه حسين والشيخ إمام وسيد مكاوي والشيخ محمد عمران وعمار الشريعي ؛ يستطيع أن ينتج ويبدع وينبغ ويتفوق لو كان مبصرا؟؟!!
لاشك في أن كلا منهم سيكون شيئا آخر ؛ إنسانا آخر ؛ ربما تاجرا أو مرابيا أو لاهثا خلف متع الدنيا بأشكال شتى!! وآخر ما كان يهدف إليه ويسعى لتحقيقه هو الفن والفكر والإبداع..
واقع ثقافي أعرج !!
لو انتزعنا من حياتنا الثقافية ما أبدع الشاعر الإغريقي الخالد : هوميروس ؛ وخاصة ملحمتيه ؛ الإلياذة والأوديسا ؛ ولو استبعدنا العطاء الشعري العبقري لبشار بن برد وأبي العلاء المعري ؛ ولو فقدنا (الأيام ) و(في الشعر الجاهلي) و(حديث الأربعاء) و(تجديد ذكرى أبي العلاء) و..و.. لطه حسين ؛ ولو غاب عنا صوت محمد عمران ولحن وغناء سيد مكاوي والشيخ إمام وموسيقى عمار الشريعي ؛ فإن تكون الحياة حياة ؛ ولن نرى الواقع الثقافي مستقيما ومكتملا ؛ بل أعرج ؛ أصم ؛ أبكم ؛ ناقصا!!
في مجال الإبداع الموسيقي والغناء؛ زمننا هذا ؛ نبغ أربعة من العلامات الكبرى التي ترك كل منهم بصمة لا تخطئها العين ؛ ولن يتجاهلها تاريخ الفن ..وهم معاصرون لنا ؛ وهم كذلك "شيوخ" باستثناء الشريعي ..ربما أكثرهم شهرة وتعددا : غناء وتلحينا الشيخ سيد مكاوي (سيد محمد سيد مكاوي ـ ١٩٢٧ـ١٩٩٧) ..وهو شيخ لا بمعنى الجبة والقفطان والعمامة والكاكولا الأزهرية ؛ بل بمعنى التأسس على قواعد متينة رصينة من اللغة والثقافة الإسلامية والحس الموسيقي الذي يوفره القرآن الكريم لحافظيه ..فهو يقوم ذوقهم ؛ ويغذي ذائقتهم ؛ ويسمو بلغتهم ..ويتفق في هذا الشيخ سيد مع طه حسين والشيخ إمام والشيخ عمران ..كلهم نما في رحاب القرآن ورحابته ..
قدم الشيخ سيد نموذجه الفريد:(الليلة الكبيرة) لصلاح جاهين ؛ على غير نموذج سابق ..ولم يلحق به أحد في هذا الدرب ..كما أنه نال حظا عظيما بأن غنت له أم كلثوم:(يا مسهرني) ..مع عمل متفرد آخر هو (المسحراتي) لفؤاد حداد ..ولديه ألحان شهيرة خالدة مثل (الأرض بتتكلم عربي) ..وحينما كان يغني ألحانه لم أستسغها من مغن غيره ؛ وخاصة أغانيه لوردة !! صوته يمنح الكلمة روحا وسحرا وعمقا وحزنا ..ولم يتفوق أحد المغنين لألحانه عليه ؛ إلا معجزة الغناء طبعا: أم كلثوم.
اليساري النظيف!!
وعلى غير خط الشيخ سيد ؛ كان الشيخ إمام عيسى (إمام محمد أحمد عيسى - ١٩١٨ـ ١٩٩٥) ..كان يسير في خط آخر سياسيا ..إنه رمز لليسار النظيف ؛ غير المتسلق؛ غير المرتزق؛ غير المأجور!! يسار مصري وطني قح ؛ عشق الوطن ودفع الثمن!! كثيرا ما جاع بالمعنى الحرفي؛ مع رفيقه أحمد فؤاد نجم الزاهد كذلك في المال والجاه ؛ رغم سلاطة لسانه!! لم ينج منه أحد حتى أم كلثوم التي هجاها في قصيدة(كلب الست) حينما عض كلبها أحد المواطنين!! وحين سخر منها ثارت ؛ وقالت: أنا هاخرب بيته !! قيل لها: مالوش بيت!! . قالت: هاسجنه!! . قيل لها: معظم أيامه في السجن ..آكل ؛ شارب؛ نايم!! .
الشيخ إمام صاحب موقف من كل حاكم : عبدالناصر - رغم ولائه للاشتراكية الناصرية - والسادات ومبارك ..وقد ذهبوا جميعا وبقيت ألحانه الخالدة بالعشرات: شيد قصورك؛ وهبت عمري للأمل؛ يا فلسطينية؛ يا ولدي؛ إذا الشمس غرقت؛ شعبان البقال؛ هما مين واحنا مين؛ يا حبايبنا؛ طلع الصباح؛ المجد للوطن... وفي وقت كان نزيل الآخرة ؛ كان ميدان التحرير يصدح بأغانيه في ثورة ٢٥يناير.
وعلى طريقة سيد مكاوي سار الشيخ محمد عمران ؛ فيما يتصل بـ(الحياد السياسي) ..لا شأن له بمن حكم ؛ ومن ذهب؛ ومن ظلم ؛ ومن استبد ؛ ومن نهب!! هو يرى في الشيخ سيد أستاذا ومرجعا في التراث الغنائي ؛ ولا يتجاوز تأثيره عليه سوى الشيخ النقشبندي الذي تتلمذ عليه الشيخ محمد أحمد عمران (١٩٤٥-١٩٩٤) مباشرة في طهطا حيث نشأ ..وما بين قراءة القرآن الكريم والإنشاد الديني والابتهال يعد صوت الشيخ عمران قبسا من النور يترى..فيه شجن وأسر وعمق وسحر حلال ..ولو منح الشيخ عمران فسحة من العمر مع بعض الذكاء الاجتماعي ؛ لكان حالة لا مثيل لها ..لكن العمر ضاق بين يديه.
وأصغر هؤلاء العباقرة المكفوفين سنا عمار الشريعي (عمار علي محمد إبراهيم علي الشريعي - سمالوط - ١٩٤٨ـ٢٠١٢) ..وهو في حياته المادية على النقيض من الشيخ إمام.. رجل مرفه النشأة واسع الثراء ..لا يعيش تحت تأثير العوز والفاقة واللهاث وراء لقمة العيش..ولذا فالفن لديه لأجل الفن.. هو يستمتع به ويمتعنا معه . ولننظر إلى برنامجه الإذاعي(غواص في بحر النغم) لنتحقق من غذائه المعنوي العذب هذا ..ثم امتاز عمار بعطاء آخر لا يجارى فيه : مقدمات المسلسلات والأفلام.. ١٥٠ مسلسلا؛ منها (رأفت الهجان) و(الشهد والدموع) و(دموع في عيون وقحة) ..وهنالك موسيقى ٥٠ فيلما و١٠ مسرحيات غنائية و٢٠عملا إذاعيا ..
هل كان هؤلاء العباقرة المكفوفون مثاليين بلا خطيئة؟! لا ..أبدا !! ويكفي في هذا الصدد أن نذكر بمطاردة طه حسين لتلميذه زكي مبارك ؛ وفصله من الجامعة ومن وزارة التعليم ؛ ومحاصرته في العمل الصحفي والحياة الثقافية ..حتى إن الدكتور زكي مبارك قال: إذا جاع أبنائي سأقطتع من لحم طه حسين لإطعامهم !!
author-img

JOURNALEST

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة