هيا بنا...وتعالى معي ،
لنقترب سويا إلى عبقريه التكتيك العسكري المحمدي ،
وبراعه القياده وصدق اليقين،
وقوه الإيمان والإيثار والإقدام ،
هو محمد بن عبد الله القائد الأعظم ،
والقدوه لمن أراد أن يقتدي ،
هو المختار والهدي لمن أراد أن يهتدي ،
معا في رحله نتجاوز بها الهزائم النفسيه،
و التى تراكمت عبر السنين على عقول الأمه،
فى رحاب السيره المحمدية العطره،
لقد كان هو وحده دوله وقوه عظمي فى ذاته وإيمان بالله،
يعادل إيمان الأمه بكاملها ،
و الحلقة التاسعة والعشرون (٢٩)
الحبيب المصطفى (١٧٥)
السيرة المحمدية العطرة ..
(( سرية أبو سلمة ، وصعوبة موقف المسلمين بعد أحد ))
بعد أحداث غزوة أُحُد وما حدث فيها ، من ابتلاء وخسائر كبيرة للمسلمين ، انتشر بين الأعداء الشعور بالفخر ، وزادت لديهم الرغبة في الكيد بالمسلمين والقضاء عليهم ، بل اتجهت أنظار المشركين من الأعراب إلى محاولة غزو المدينة مناصرة لقريش ، ودفاعا عن عقائدهم الفاسدة ، وطمعا في خيرات المدينة ..
فكان من آثار اهتزاز هيبة المسلمين بعد {{ أحد }} ، أن نما إلى علم النبي صلى الله عليه وسلم ، {{ بعد أُحُد بثلاثة أشهر }} فقط ، أن بعض العرب من قبيلة {{ بني أسدِ }} ، تستعد للإغارة على المدينة ، بعد أن اهتزت صورة المسلمين العسكرية ، فظنوا أن كل من يريد أن يغزو المسلمين فى المدينة ، يمكن له أن ينال منهم ..
فلما بلغ النبى ذلك ، لم يمهلهم صلى الله عليه وسلم ، وإنما أعدَّ العدة لإيقاف هذا المخطط ، فاختار النبى أحد الصحابة كى يتولى قيادة هذه المهمة ، وهو : {{ أبو سلمة }} ، هذا الصحابي الجليل أبو سلمة ، هو عبد الله بن عبد الأسد بن هلال القرشى المخزومى ، وكان إسمه عبد مناف ، فغيَّره النبي صلى الله عليه وسلم فسمَّاه عبد الله .. وكان من السابقين الأولين إلى الإسلام ، وكان ممن هاجر بامرأته أم سلمة بنت أبي أمية إلى أرض الحبشة ، ثم شهد بدراً بعد أن هاجر الهجرتين ، وجُرِح يوم أحُد ، وهو أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة (( أرضعتهما ثويبة جارية أبى لهب الذى أعتقها بعد أن بشَّرته بمولد النبى ، كما ذكرنا من قبل فى بداية السيرة )) ، وهو أيضا إبن عمته برَّة بنت عبد المطلب بن هاشم ، وهاجر إلى المدينة بعد عودته من هجرته إلى الحبشة ..
حدث هذا في المحرم من السنة الرّابعة من الهجرة النبوية ، وبعد أن عَلِم النبي صلى الله عليه وسلم أن طليحة وسلمة ابني خويلد الأسديين ، أخذا في تحريض قومهما بني خزيمة لحرب المسلمين والإغارة على المدينة المنورة ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي سلمة رضي الله عنه ، وولاه على سرية قوامها مائة وخمسون رجلا ، وأوصاه بتقوى الله ، وأمره بالإسراع في الخروج ، فعقد له لواء ، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أغدو على بركة الله وانزل خيلك قوم {{ أسدِ }} ، فإنهما يجمعون للإغارة على المدينة ، وأخذ معه دليل يجنبه طريق القوافل ، كي يأخذ القوم على غرَّة (( أى يفاجئهم )) ، فإن سياسة النبي كانت في الحرب وغيرها هى : {{ إستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان }} ، وأوصاه النبي أخذاً بالأسباب ، فقال له : سر ليلاً وأكمل نهاراً ، تَعمِ عنك الأخبار ، فسار على بركة الله ..
خرج أبو سلمة رضي الله عنه مع السرية ، وساروا حتى وصلوا إلى ماء لهم بجبل يُسَمَّى قَطَن ، فلما سمعوا بهم هربوا وتفرقوا ، وتركوا نعماً كثيرة لهم من الإبل والغنم ، فأخذها أبو سلمة ومن معه غنيمة ، وعادوا خلال سبعة أيام إلى المدينة المنورة ظافرين غانمين ، وقد سميت هذه السرية {{ سرية أبو سلمة }} ..
وكان من نتائج سرية أبي سلمة إلى طليحة الأسدي ، أنه لم يحدث قتال ولا خسائر ، واغتنم المسلمون إبلا وأغناما من بني أسد أعدائهم ..
أما عن الدرس المستفاد من سرية أبي سلمة ، فهو أن مباغتة العدو سبيلاً للنصر ، الذى مهَّد الطريق إليه أيضا ، يقظة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته ، التي جعلتهم يترصدون كل تحركات المشركين بعد غزوة أُحُد ..
ولم يلبث أبو سلمة رضي الله عنه أن توفي ، فقد كان أصيب في أُحُد بجرح ثم التأم ، فلما خرج في هذه السرية سال الدم من جرحه القديم ، وبعد عودته إلى المدينة ، توفى رضى الله عنه بسبب ذلك ، فتزوج النبى صلى الله عليه وسلم لاحقا ، بامرأته (( أم سلمة )) ، وكانت توصف بالرأي الصائب ، وشهدت العديد من غزواته رضي الله عنها ..
وكان من آثار اهتزاز هيبة المسلمين بعد {{ أحُد }} أيضاً ، أن أراد فارس مغامر إسمه : {{ خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي }} ، أن يستغل هذه الظروف ، بالإضافة إلى حالة الكراهية الموجودة في الجزيرة العربية ضد المسلمين ، فبدأ يدعو لغزو المدينة ، واتخذ لنفسه مقرا في وادي {{ عُرَنة }} ، وهو وادى بعرفات قريب من مكة ، يبعد عن الحرم حوالي {{ ٢٠ كم }} ، وبدأ بالفعل يتجمع عنده المقاتلين من المرتزقة من هذيل وغيرها ، الذين طمعوا في نهب خيرات المدينة ..
وصلت هذه الأخبار إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، فقرر ألا يمهل هذا الرجل حتى يكثر جمعه ، وأن يرسل له من يقتله ، وكان ذلك أيضا في {{ محرم من السنة الرابعة للهجرة }} ..
واختار النبى صلى الله عليه وسلم لهذه المهمة الصعبة ، شاب عمره {{ ٢٨ عاما }} ، إسمه {{ عبد الله بن أنيس الجهني }} ..
فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه يستدعيه ، وهي مهمة خطيرة ، أشبه بالعمليات الفدائية التي تقوم بها الآن قوات الصاعقة أو قوات الكوماندوز ، لأن {{ خالد بن سفيان الهذلي }} ، كان من أشد وأقوى وأشرس المقاتلين العرب ..
فلما حضر {{ عبدالله }} ، قال له النبي صلى الله عليه وسلم : بلغني أن {{ خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي }} ، يجمع لي الناس ليغزو المدينة وهو بنخلة أو بعُرَنة ، فأته فاقتله ..
فقال له عبد الله بن أنيس : لبيك يا رسول الله ، ولكن انعته لي حتى أعرفه (( أي صفه لى حتى أتعرف عليه عندما ألقاه )) ..
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إذا رأيته أذكرك الشيطان ، وآية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجدت له قشعريرة (( يعني يقشعر جسمك من شكله )) ، فانطلق {{ عبدالله بن أنيس }} متوشحا سيفه ، حتى وصل إلى {{ عُرَنة }} ، فلما رآه ، حدث له ما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من القشعريرة ..
فلما أقبل نحوه وكان وقت العصر ، خشى عبدالله بن أنيس إذا اقترب ليقتله ، أن يكون بينهما قتال طويل ، فيشغله ذلك عن أداء صلاة العصر ، [[ أرأيتم يا من تقرأون السيرة ، كيف كانت الصلاة في قلوب الصحابة ، لم يخف منه ، ولكن خشى إن بدأ فى قتاله ، أن يطول القتال فينشغل عن صلاة العصر ]] ..
فماذا فعل عبدالله؟؟..
صلى وهو يمشي نحوه ، وأخذ يومئ برأسه في الركوع والسجود ، (( لأنه لا يريد أن يصلي أمام الناس ، ويراه أحد فيعلم أنه مسلم )) .. وقد أقر بعد ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم ، هذه الصلاة التي صلاها {{ عبدالله بن أنيس }} ، وسمِّيت في كتب الفقه ، صلاة {{ الطالب والمطلوب }} ..
فلما وصل {{ عبدالله بن أنيس رضي الله عنه }} ، والتقى خالد بن سفيان ، قال خالد : من الرجل؟؟.. ، فقال له : رجل سمع بك وبجمعك لهذا الرجل ، فجاءك في ذلك ، (( أى سمعت انك تجمع الناس لقتال محمد وغزو مدينته ، فوددت أن أشارك معكم )) ، فقال له خالد : أجل أنا في ذلك ، (( يعني بالفعل أنا أقوم بجمع الناس لغزو المدينة )) ..
فمشى عبد الله معه قليلا وهو يحدِّثه ، حتى إذا تمكن منه ، حمل عليه بالسيف فقتله ، وانطلق عائدا إلى المدينة ..
فلما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ، استقبله النبي متهلل الوجه مشرقاً فرحاً ، وقال له : أفلح الوجه يا عبدالله ، (( يعني من وجهك ، يبدو أنك نجحت فى تنفيذ المهمة )) ، فقال عبدالله : أجل قتلته يارسول الله ..
فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأدخله معه حجرته ، ثم أحضر عصا وأعطاه إياها ، وقال له : أمسك هذه عندك يا عبدالله بن أنيس ، فخرج ومعه العصا ..
قال له الصحابة : يا عبد الله ، ما هذه العصا؟؟.. ، قال : أعطانيها رسول الله ، وأمرني أن أحتفظ بها .. فقالوا : أفلا ترجع للنبي صلى الله عليه وسلم ، وتسأله لِمَ ذلك .. فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وسأله : يا رسول الله ، لِمَ أعطيتني هذه العصا؟ ، فقال له النبي : يا عبدالله ، إنها آية بيني وبينك يوم القيامة ، [[ والمعنى أن الناس يوم القيامة ، سيكونوا فى حالة ذعر وفزع ، يفر الإبن من أمه وأبيه ، وزوجته وأولاده وإخوته ، فكل ما يجب عليك فى ذلك الموقف ، أن ترفع هذه العصا ، وأنا سأعرفك بها وأتولى أمرك ]] ..
وبقيت هذه العصا مع عبدالله بن أنيس ، وقرنها بسيفه ، فلم تزل معه ، حتى مات وضمت معه في كفنه ، ثم دفنت معه ، وسيُبعث من قبره وهو يحملها رضي الله عنه وأرضاه ..
والذى يتأمل في هذا الحدث (( من قتل خالد بن سفيان على يد عبد الله )) ، ومن قبله سرية أبو سلمة ، يلحظ فيهما حكما باهرة ، وفوائد جمة ، ينبغي الوقوف عندها للإستفادة منها في حياتنا وواقعنا ، منها :
إهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم ، بالجانب الأمني للدولة الإسلامية ، ومتابعته تحركات الأعداء ومؤامراتهم ، ووضع الحلول المناسبة للمشكلات والأزمات في وقتها الملائم ، ومن ثَمَّ لم يمهل خالد بن سفيان حتى يكثر جمعه ويشتد ساعده ، بل عمل على القضاء على الفتنة بحزم وهي في أيامها الأولى ، وبذلك حقق للمسلمين مكاسب كبيرة ، إذ قلل التضحيات المتوقعة من مجيء خالد بن سفيان بجيش لغزو المدينة ، وأرهب كل من تسول له نفسه من محاولة التعرض بالأذى للمسلمين والدولة الإسلامية ، وهذا العمل يحتاج لقدرة في الرصد الحربي ، وسرعة في اتخاذ القرار ..
كذلك أظهر هذا الحدث ، فراسة وحكمة النبي صلى الله عليه وسلم ، في اختيار الكفاءات من أصحابه .. فكان يختار لكل مهمة من يناسبها ، فيختار للقيادة من يجمع بين سداد الرأي وحسن التصرف والشجاعة ، كخالد بن الوليد رضي الله عنه (( بعد إسلامه )) .. ويختار للدعوة والتعليم من يجمع بين غزارة العلم وحسن الخلق والمهارة في اجتذاب الناس ، كمصعب بن عمير رضي الله عنه .. ويختار للوفادة على الملوك والأمراء من يجمع بين حسن المظهر وفصاحة اللسان وسرعة البديهة ، كعبد الله بن حذافة رضي الله عنه .. وفي الأعمال الفدائية ، يختار من يجمع بين الشجاعة الفائقة وقوة القلب والمقدرة على التحكم في المشاعر ، ولقد كان عبد الله بن أنيس الجهني قوي القلب ، راسخ اليقين ، عظيم الإيمان ، ذا قدم راسخة في الفقه في دين الله ، فهو من الرعيل الأول من الأنصار الذين شهدوا بيعة العقبة ، ومن ثم لم ينس وهو في هذه المهمة الصعبة صلاة العصر ، فصلَّاها في وقتها إيماءً برأسه ، حرصا منه ومحافظة على صلاته ، وحفاظا على سرية مهمته التي جاء من أجلها .. وبجانب هذه الصفات العظيمة التي أهلته لهذه المهمة ، هناك سبب آخر ، حيث كان يمتاز بمعرفة مواطن تلك القبائل لمجاورتها ديار قومه جهينة ..
وأيضا من خلال قتل خالد الهذلى ، على يد عبد الله بن أنيس رضي الله عنه ، يظهر لنا دليل من دلائل نبوة الحبيب صلى الله عليه وسلم ، فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم ، خالد بن سفيان الهذلي لعبد الله بن أنيس ، وصفاً دقيقاً دون أن يراه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا من قبل : (( وآية ما بينك وبينه ، أنك إذا رأيته وجدت له قشعريرة )) ، وقد وجد عبد الله بن أنيس رضي الله عنه ، خالد الهذلي على الصفة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عبد الله : (( فلما رأيته هِبته ، فقلت : صدق الله ورسوله )) .. وعندما كافأ النبي صلى الله عليه وسلم ، عبد الله بن أنيس على نجاحه في مهمته الكبيرة ، كافأه مكافأة عظيمة ، لكن هذه المكافأة لم تكن مادية دنيوية ، كما يتمنى الكثير ممن يقوم بالمهام الشاقة في جيوش العالم قديما وحديثا ، بل كانت أسمى من ذلك وأعظم ، فهي وسام شرف أخروي قل من يناله ، وهذا يدل على علو مكانته في الآخرة ، والتي نالها بحب النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته ، والتضحية في سبيل الله عز وجل .. فقد أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم ، بشارة الخلود في جنة عرضها السموات والأرض ، عندما أعطاه عصا وجعلها علامة بينه وبين رسول الله يوم القيامة ، يتكئ عليها وتأخذ بيده ، كما تأخذ صلاة الليل بيد صاحبها يوم القيامة إلى النجاة .. ومن ثم لم يترك عبد الله هذه العصا أبدا ، وأوصى أن تدفن معه في قبره ..
فقد كان الصحابة رضي الله عنهم ، لا ينتظرون جزاءً دنيويا ، ولو حصلوا على شيء من متاع الدنيا فإنه لا يعتبر عندهم شيئٌ له قيمة ، وإنما ينتظرون جزاءهم في الآخرة ..
وهكذا استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بحكمته ودقة تفكيره ، وحسن تدبيره في حدث واحد ، أن يبث الرعب في قلوب الأعداء ، ويفوِّت عليهم الفرصة ، ويأخذ بزمام المبادرة ، وأن يلفت أنظارهم إلى قوة المسلمين ، ويحفظ للدولة الإسلامية هيبتها ..
هذا هو نبيكم {{ محمد صلى الله عليه وسلم }} النبي القائد،
يتبع بإذن الله ..
#الأنوار المحمدية
صلى الله عليه وسلم
ويبقى الله وحده دائما هو الأحد الفرد الصمد ،
الأحق بالعبادة ،
ويبقى رسولنا الكريم هو وحده،
الأحق بالاقتداء ،
وأخبروا أولادكم من يكون رسولنا .
ومازال هناك الكثير من الحلقات للسيره النبويه ،
كي تنير لنا مصابيح الحياه والتى أطفاها البعد عن الدين .
إبقوا معنا كي نعرف نبينا والذي جهلناه بالبعد عن الدين.
د.سعيد ع
