بقلم/نشأت البسيوني
يعيش الإنسان عمره كله وهو يظن أن المسافات تقاس بالخطوات بين مكان وآخر لكنه مع الوقت يكتشف أن أصعب المسافات ليست تلك التي تقطعها الأقدام بل تلك التي تقطعها الروح بين ما يريده الإنسان وما يعيشه فعلا فقد يعيش شخصان في نفس المكان لكن بينهما مسافة كبيرة من الفهم وقد يجلس إنسان وسط الناس لكنه يشعر أنه بعيد عنهم جميعا هذه المسافة الخفية تتكون ببطء من
التجارب ومن الكلمات التي قيلت في وقت غير مناسب ومن الصمت الذي طال أكثر مما يجب ومن الأحلام التي لم تجد طريقها إلى الواقع ومع مرور الأيام يعتاد الإنسان وجود هذه المسافة حتى يظن أنها جزء طبيعي من الحياة لكن في لحظة هادئة قد يكتشف أن هذه المسافة لم تكن قدرا ثابتا بل كانت نتيجة اختيارات وتأجيلات وترددات كثيرة فيدرك أن تقليصها يبدأ بخطوة بسيطة
نحو الصدق مع نفسه قبل أي شيء آخر لأن الإنسان حين يعترف بما يشعر به فعلا يبدأ في إزالة الحواجز التي بناها حول قلبه دون أن ينتبه ومع الوقت يتعلم أن الاقتراب من الآخرين لا يحتاج إلى كلمات كثيرة بل إلى نية صادقة وإلى شجاعة في التعبير عن ما يخفيه الإنسان داخله وأن المسافات التي تبدو كبيرة يمكن أن تختصر أحيانا بجملة صادقة أو موقف صادق وحين يصل إلى هذه
المرحلة يفهم أن الحياة لم تكن أبدا مجموعة من الطرق الطويلة بل كانت دائما مسافة واحدة بين الإنسان ونفسه فإذا اقترب منها بصدق اقترب من كل شيء حوله وإذا ابتعد عنها ظل يشعر بالغربة مهما كانت الأماكن مزدحمة من حوله
