بقلم/نشأت البسيوني
يمر الإنسان بمراحل يظن فيها أن كل من حوله واضح وأن العلاقات مستقرة وأن الوجوه التي يراها كل يوم صادقة كما تبدو ولكن مع الأيام تبدأ الأقنعة بالسقوط واحدة تلو الأخرى لا لأنها تكشفت فجأة بل لأنها لم تعد قادرة على مجاراة حقيقة الروح التي أصبحت أكثر وعيا وأكثر قوة مما كانت عليه في أي وقت سابق فمع كل خطوة
ينضج فيها القلب تنطفئ قدرة الزيف على الاستمرار وتنكشف
الحقائق بلا جهد الأقنعة لا تسقط أمام المواقف الكبيرة كما نعتقد بل تسقط أمام التفاصيل الصغيرة أمام نبرة تغيرت دون سبب أو تجاهل متكرر أو كلمة خرجت بحدة أو اهتمام لم يعد كما كان تلك التفاصيل التي تمر بلا تفسير لكنها تحمل داخلها الحقائق التي لم نكن نجرؤ على تصديقها ومع تكرارها يصبح الإنسان أكثر بصيرة فيعرف أن ما كان يتمسك به لم يكن يستحق وأن من كان يراه
قريبا لم يكن سوى عابر في صفحة مزدحمة من العمر ومع سقوط الأقنعة تتحرر الروح من وهم العلاقات التي كانت ترهقها دون أن تعلم تستعيد قدرتها على اختيار من يليق بها وتتعلم أن المسافة التي صنعتها الأيام لم تكن خسارة بل كانت حماية وأن الانفصال عن أشخاص لم يعززوا خطواتها كان ضرورة لم تكن تملك شجاعة الاعتراف بها من قبل ومع هذا التحرر يبدأ الإنسان يشعر بخفة غير
مألوفة وكأنه استعاد جزءًا من نفسه كان مفقوداً طويلاً ومع الوقت يصبح أكثر صدقا مع ذاته لا يخشى الاعتراف بأن بعض القلوب لم تكن ناصحة كما ظن ولا يخجل من التخلي عن أماكن لم تعد تشبهه ولا يتردد في بناء حدود تحميه من الخذلان مرة أخرى يدرك أن الحب ليس إثباتا مؤلما والوفاء ليس معركة وأن الصداقة ليست ساحة اختبار دائم بل مساحة أمان تمنحه القوة لا تستنزفها يفهم
الإنسان أن سقوط الأقنعة لا يفضح الآخرين فقط بل يكشف له نفسه أيضا يعرّفه على نقاط ضعفه على طيبته التي كانت تستغل على خوفه من الفقد على صمته الذي كان يمنح الآخرين مساحة أكبر مما يستحقون ومع هذا الفهم يولد وعي جديد يجعل خطواته أكثر ثباتا واختياراته أكثر نضجا وروحه أكثر قدرة على النجاة
وهكذا يمضي الإنسان في حياته بوجهه الحقيقي دون قناع لأنه
أدرك أن الصدق لا يخسره أحدًا يستحق وأن الزيف وحده هو الذي لا يدوم مهما طال الزمن
