الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني
من كتاب تأويل الأحرف في القرآن الكريم
القرآن العظيم يُقرأ عبر طبقات من الفهم، وفي كل طبقة تتشكّل مراتب تتدرّج من الدلالة اللفظية الظاهرية إلى الإشارة الرمزية، ثم إلى المعنى الباطني. والقراءة التأويلية المعتمدة هنا تتحرّك داخل المستويات الثلاثة الأولى من هذا البناء المعرفي، حيث تفكّك الكلمة إلى حروفها، ويُعامَل الحرف كوحدة دلالية قائمة بذاتها، ثم تعاد الحروف إلى نظامها التركيبي لتتشكّل الكلمة، ومن تآلف الكلمات يتّسع أفق المعنى في مسار تصاعدي كاشف.
• أولًا: كلمة شانئك
تتكوّن كلمة شانئك من خمسة حروف: ش، ا ، ن ، ء، ك،
الحروف الثلاثة الأولى: ش، ا ، ن، تحمل دلالة كلمة شيطان.
أما الحرفان الأخيران: ء، ك ، فيحملان دلالة أكبر.
وبذلك تتشكّل كلمة شانئك باعتبارها تركيبًا دلاليًا مشفّرًا من كلمتين:
شيطان أكبر.
ويحيل هذا البناء إلى العداوة المطلقة.
• ثانيًا: كلمة قريب
قال تعالى:
﴿وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ ﴿ سورة إبراهيم 44 ﴾
وقال تعالى:
﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ﴿ سورة المنافقون 10 ﴾
الذين أقسموا ما لهم من زوال، هم أنفسهم الذين تضرّعوا عند لحظة الاحتضار بطلب التأجيل. وهذه الحالة تتجسّد في إبليس، الملك الشيطان، الذي يدرك مصيره، ويخشى لحظة نهايته.
• التفكيك الحرفي لكلمة قريب
تتكوّن كلمة قريب من أربعة حروف: ق، ر، ي، ب،
• لكل مخلوق أجل، ولكل نفس ساعة، والله وحده حيّ لا يموت. وإبليس، رغم طغيانه، خاضع لهذا القانون الكوني، وقد حدّد القرآن العظيم أفق نهايته بدقّة رمزية.
قال تعالى:
ولَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ ومِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَودُّ أَحَدُهُمْ لَو يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ومَا هُو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ واللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴿ سورة البقرة 96 ﴾
السبب الذي جعل الملك الشيطان إبليس يتمنى أن يعيش أطول فترة ممكنة هو الخوف الكبير من الموت وعذابه وما سيلاقيه على يد ابن النبي محمد ﷺ.
في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ جاء بصيغة المفرد، إشارة إلى إبليس تحديدًا، خطابًا غير مباشر، إذ إن الله لا يخاطبه مواجهة.
لم يقل الله يودون أن يعمّروا بصيغة الجمع، لأن الخطاب لم يكن موجّهًا إلى الجميع.
ويعضد ذلك الحديث النبوي الشريف:
المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيفِ، وفي كلٍ خيرٌ احرصْ على ما ينفعُك واستعنْ باللهِ ولا تعجِزنَّ، وإن أصابَك شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلتُ لكانَ كذا وكذا ، ولكن قلْ قدَّرَ اللهُ وما شاءَ فعلَ فإن لو تفتحُ عملَ الشيطانِ.
الراوي : [أبوهريرة] | المحدث : ابن تيمية | المصدر : مجموع الفتاوى الصفحة أوالرقم: 8/73 | خلاصة حكم المحدث : صحيح
الآية تخبر أن الملك الشيطان يتمنى ويقول دوما هذه الكلمات (لو، أعمر ألف سنة)، فجعل الله قوله ذلك مرمزا بالكلمات (يود أحدهم لو) وهذه الألف سنة بزمن الإله وليس بزمن الإنس.
بسم الله الرحمن الرحيم
ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ولَن يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ ۚ وإِنَّ يَومًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴿ سورة الحج 47 ﴾
إبليس يتمنى العمر بالألف، تقليدًا لقياس الزمن الإلهي. ألف في ألف، ليكون مجموع عمره في عالم الأرض مليون سنة، وقد خُلق قبل آدم.
غير أن الحساب الزمني القرآني والدلالي يكشف اقتراب الأجل، ويشير إلى أن المدة المتبقية لا تبلغ الألف.
كلمة: قريب تبيّن بالضبط كيف ومتى يموت الملك الشيطان إبليس.
نعلم أنّه قبل أن ينفخ الله من روحه في آدم عليه السلام، حين كان طينة في الجنّة، مضى على مكوث تلك الطينة خمسة وعشرون ألف سنة.
وباعتماد هذا المعطى، يُخصم هذا الزمن من المدة الكلية المقدّرة، فيكون المتبقّي:
989706 – 25000 = 964706 سنة.
وبحساب الزمن الأرضي، تُقاس السنة الواحدة بـ 365٫2425 يومًا، فتكون الألف سنة ما يعادل 365242٫5 يومًا.
وبالقياس الثلاثي، يقابل اليوم الواحد هذا المقدار الزمني المركّب.
وعليه، فإنّ مليون سنة تُقاس بـ 365000000 يوم، في حين أنّ 964706 سنة × 365 تعادل 34567690 يومًا.
وبطرح القيمتين،
365000000 يوم _ 34567690 يكون الفارق:
330432310 يومًا.
وعند قسمة هذا الحاصل على عدد أيام السنة، يكون الناتج 905٫294، وهو مقدار يكشف اقتراب الأجل، ويؤكّد أنّ العمر المتبقّي لا يبلغ الألف سنة.
تنقسم كلمة قريب بحرف الياء إلى مقطعين:
قري – يب
قري تحمل دلالة قرين.
كل إنسان له قرين، غير أن عيسى عليه السلام مُنع الشيطان من الاقتراب منه. ومع رفعه إلى السماء ثم نزوله آخر الزمان، يكون له ابن هو المهدي المنتظر.
قال النبيّ محمد ﷺ إنّ كلّ مولود من ولد آدم عليه السلام يمسّه الشيطان ساعة ولادته، إلاّ المسيح عيسى عليه السلام وحده. ومن هنا تتجلّى خصوصيّته؛ فقرينه هو الملك الشيطان، غير أنّه لم يبلغه قطّ، ولم يفلح في الاقتراب منه. ثم رُفع عيسى المسيح الحقّ إلى السماء، ليعود في آخر الزمان، وتستمر السلالة، فيكون له ابن هو المهديّ المنتظر.
ومع الامتداد الطبيعي لقانون القرين، يُطرح السؤال: من يكون قرين المهديّ المنتظر؟
النبيّ محمد ﷺ أسلم قرينه من الجنّ، أمّا عيسى المسيح الحقّ فقد عجز الملك الشيطان عن النيل منه، فانصرف عنه، متوجّهًا إلى الابن، ظانًّا أنّه موضع النفاذ. غير أنّ الملك الشيطان يخطئ التقدير مرّة أخرى؛ فابن عيسى المسيح، وحفيد النبيّ محمد ﷺ معًا، يحمل من النور ما يفوق تصوّرات الضعف. وعند لحظة الاقتراب في "يوم" المحاولة، تكون ساعة الفصل. هناك، حيث يظنّ الشيطان أنّه بلغ غايته، تحلّ نهايته، ويكون نحره، ويكون موته.
. . .
هذه التجربة التدبّرية في علم تأويل الأحرف في القرآن الكريم تنطلق من قراءة رمزية باطنية للحرف والكلمة، بوصفهما حاملين لإشارات معرفية وروحية تتكشّف مع الصبر والمجاهدة.
وهي دعوة لكل متأمّل أن يبدأ رحلته من كلمة واحدة، يصاحبها، ويمنحها زمن الفجر، حيث الصفاء، لأن التدبّر تربية روحية تتقدّم فيها المعرفة بخطى اليقظة.
،؛، دمتم يقظين… تفلحوا ،؛،
تحياتي لأعضاء الإدارة الراقيين،
وبالتوفيق والسداد للجميع.
